عصام سبادي
كلما اقترب الحديث عن إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب، عاد الملف إلى الواجهة باعتباره أحد أكثر الأوراش حساسية وتعقيدا، لكنه سرعان ما يصطدم بحسابات الزمن السياسي قبل أن يبلغ مرحلة الحسم. فبعد أشهر من اجتماعات اللجنة التقنية، انتهى آخر لقاء إلى إعداد تقرير مرحلي يرصد وضعية الصناديق ومواقف مختلف الأطراف، مع ترحيل الحسم النهائي إلى الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات شتنبر 2026. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل أصبح إصلاح التقاعد مؤجلا بحكم تعقيداته التقنية فقط، أم أن توقيت اتخاذ القرار لا يقل تأثيرا عن مضمونه؟
اللافت في هذا المسار أن الجميع يكاد يجمع على وجود تحديات حقيقية تواجه منظومة التقاعد، سواء من حيث التوازنات المالية أو استدامة بعض الصناديق أو الحاجة إلى إصلاح شامل يضمن حقوق الأجيال الحالية والقادمة. غير أن ما يثير النقاش هو طول مرحلة التشخيص مقارنة بسرعة تفاقم الإكراهات التي تتحدث عنها التقارير الرسمية والدراسات المتخصصة منذ سنوات. فإذا كانت المؤشرات تستدعي الإصلاح، فهل يملك عامل الزمن رفاهية الانتظار؟ وهل يؤدي تأجيل القرار إلى توسيع هامش الحلول أم إلى تقليصها مع مرور الوقت؟
وفي المقابل، يطرح تأجيل الحسم إلى الحكومة المقبلة سلسلة من التساؤلات التي تبدو مشروعة في سياق النقاش العمومي. هل يمنح هذا التأجيل فرصة لحكومة جديدة لتدبير الملف برؤية مختلفة وبشرعية سياسية متجددة؟ أم أنه يعكس قناعة بأن أي إصلاح للتقاعد، بما يحمله من خيارات صعبة، يحتاج إلى توافق أوسع لا يمكن بلوغه في الأسابيع التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية؟ ثم ماذا عن ملايين المنخرطين والمتقاعدين الذين ينتظرون رؤية أوضح بشأن مستقبل حقوقهم؟ وهل يكفي استمرار الاجتماعات وإعداد التقارير لطمأنة الرأي العام، أم أن المواطنين باتوا ينتظرون أجوبة عملية أكثر من انتظارهم وثائق جديدة؟
وبعيدا عن أي مزايدات، يبقى إصلاح التقاعد ورشا وطنيا يتجاوز الحكومات المتعاقبة والأغلبيات الظرفية، لأنه يرتبط بالاستقرار الاجتماعي والمالي للدولة وبثقة المواطنين في منظومة الحماية الاجتماعية. لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في موعد اتخاذ القرار، بل في مضمون الإصلاح وضمان عدالته وشفافيته وإشراك مختلف الفاعلين فيه. أما السؤال الذي سيظل مطروحا إلى حين ظهور الصيغة النهائية، فهو: هل سيكون التأجيل خطوة نحو إصلاح أكثر نضجا وتوافقا، أم مجرد محطة جديدة في مسلسل إرجاء أحد أكثر الملفات استعصاء على الحسم؟
