بقلم (ع س)
في كل مرة يُعلن فيها عن خطوة جديدة في مسار إصلاح التعليم، يعود السؤال نفسه بقوة: هل يتعلق الأمر بإصلاح حقيقي يلامس واقع المدرسة المغربية، أم بمجرد استكمال لمسار تشريعي لن يكتمل أثره إلا بحسن التنفيذ؟ ومع اقتراب استكمال النصوص التنظيمية المرتبطة بالقانون رقم 59.21، تبدو المنظومة التربوية أمام مرحلة مفصلية، لأن نجاح أي قانون لا يقاس بعدد مواده أو مراسيمه، بل بقدرته على تغيير واقع التلاميذ داخل الأقسام، وتقليص الهدر المدرسي، وتحقيق الإنصاف بين مختلف فئات المتعلمين. فهل ستكون هذه المراسيم بداية التحول المنتظر، أم أن التحدي الحقيقي سيبدأ بعد دخولها حيز التنفيذ؟
ومن بين أبرز الأوراش المطروحة، يبرز تنظيم التعليم المدرسي الاستدراكي باعتباره رهاناً على إعادة الأمل لآلاف الأطفال واليافعين الذين غادروا مقاعد الدراسة أو لم تتح لهم فرصة الولوج إليها في ظروف عادية. غير أن هذا الطموح يثير بدوره أسئلة لا يمكن تجاوزها؛ هل تتوفر الموارد البشرية والمالية الكفيلة بإنجاح هذا الورش؟ وهل تستطيع المؤسسات التعليمية استيعاب هذه الفئات وفق مقاربة تربوية مرنة وفعالة؟ ثم كيف سيتم تقييم النتائج بعد سنوات من التطبيق؟ فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على فتح أبواب جديدة، بل يقاس بقدرته على إبقاء المتعلم داخل المنظومة وتمكينه من مسار تعليمي يفضي إلى الاندماج الاجتماعي والمهني.
وفي موازاة ذلك، يظل تنظيم قطاع التعليم الخصوصي أحد أكثر الملفات حساسية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحقوق الأسر والمؤسسات التعليمية على حد سواء. ويطرح مشروع العقد النموذجي أسئلة مشروعة حول مدى قدرته على تحقيق توازن واضح بين الحقوق والواجبات، والحد من الخلافات التي قد تنشأ بين الطرفين. كما أن تطوير آليات الحوار المؤسساتي بين الإدارة والفاعلين في القطاع قد يشكل فرصة لتعزيز الثقة وتحسين الحكامة، شريطة أن يواكب ذلك وضوح في النصوص، وسرعة في التنزيل، وآليات فعالة للتتبع والتقييم.
في النهاية، تبدو المدرسة المغربية اليوم أمام اختبار يتجاوز إصدار القوانين والمراسيم إلى مدى قدرتها على إحداث أثر ملموس في الواقع. فهل تنجح هذه المرحلة في تحويل الإصلاح من نصوص قانونية إلى نتائج يلمسها التلميذ والأستاذ والأسرة؟ وهل تكون المراسيم المقبلة بداية لمعالجة اختلالات راكمتها المنظومة على امتداد سنوات، أم أنها ستفتح بدورها نقاشاً جديداً حول إشكالات التنفيذ والتمويل والحكامة؟ المؤكد أن الإجابة لن تصنعها النصوص وحدها، بل سيحددها ما ستفرزه الممارسة على أرض الواقع، ومدى التزام مختلف المتدخلين بجعل الإصلاح مشروعاً قابلاً للقياس، لا مجرد عنوان جديد في سجل إصلاحات التعليم.
