عصام سبادي
رغم ما يشهده المغرب من تطور متواصل في الخدمات الرقمية، لا يزال الأداء الإلكتروني يشق طريقه بوتيرة متفاوتة داخل المعاملات اليومية. فبينما أصبحت البطاقات البنكية ووسائل الدفع الرقمية أكثر انتشاراً، ما زالت فئات من التجار والمستهلكين تفضل التعامل بالنقد، وهو واقع يرى متابعون أنه يعكس تداخل عوامل اقتصادية وتقنية وسلوكية وتنظيمية، أكثر مما يعكس وجود سبب واحد يمكن اختزال الظاهرة فيه.
ويشير عدد من المهتمين بالشأن الاقتصادي إلى أن اعتماد وسائل الأداء الإلكترونية يتأثر بمجموعة من الاعتبارات، من بينها كلفة بعض الخدمات المرتبطة بقبول الأداء، وطبيعة النشاط التجاري، وحجم المعاملات، إضافة إلى مستوى الثقة في الوسائل الرقمية، ومدى انتشار التجهيزات اللازمة. كما تختلف هذه الاعتبارات من قطاع إلى آخر ومن تاجر إلى آخر، وهو ما يجعل وتيرة الانتقال نحو الأداء الإلكتروني غير متجانسة بين مختلف الأنشطة الاقتصادية.
وفي المقابل، يلفت خبراء الاقتصاد الرقمي إلى أن توسيع استعمال وسائل الأداء الإلكترونية قد يسهم، متى توفرت الظروف المناسبة، في تسهيل المعاملات، وتعزيز الشمول المالي، وتطوير الخدمات الرقمية، فضلاً عن توفير بدائل إضافية للمستهلكين والتجار. كما تشير تجارب عدد من الدول إلى أن تعزيز المنافسة داخل أسواق الأداء، وتطوير البنية التحتية، وتحسين جودة الخدمات، قد يساعد على توسيع نطاق استعمال هذه الوسائل، مع مراعاة خصوصية كل سوق واختلاف ظروفه التنظيمية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، يندرج القرار الأخير الصادر عن بنك المغرب، بتنسيق مع مجلس المنافسة، ضمن سلسلة من الإجراءات التنظيمية الرامية إلى تطوير سوق الأداء الإلكتروني، من خلال مراجعة بعض الرسوم المرتبطة بعمليات الأداء، واعتماد نسب تفضيلية لفائدة بعض القطاعات، إلى جانب مواصلة تنظيم السوق وفتح المجال أمام تعدد الفاعلين. وتُعد هذه التدابير جزءاً من مسار أوسع يستهدف تعزيز تنافسية القطاع، فيما سيظل تقييم آثارها العملية مرتبطاً بما ستفرزه مرحلة التطبيق ومدى انعكاسها على التجار والمستهلكين.
وفي النهاية، يبدو أن نجاح التحول نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على الأداء الإلكتروني لا يرتبط بإجراء واحد أو قرار منفرد، بل بمنظومة متكاملة تشمل الإطار التنظيمي، والمنافسة، والثقة، والتوعية، وتطوير الخدمات. لذلك فإن المؤشر الحقيقي لهذا التحول سيظل مرتبطاً بمدى اتساع استخدام وسائل الأداء الرقمية في الحياة اليومية، وبقدرتها على تقديم قيمة مضافة لجميع الأطراف، في إطار سوق تنافسية وآمنة ومتوازنة.
