مليون متر مكعب تبخرت في 10 أيام.. هل يملك المغرب خطة لحماية مياه السدود من حرارة الصيف؟

عصام سبادي

بينما ينشغل الرأي العام كل سنة بتتبع نسب ملء السدود، تمر أرقام أخرى في صمت، رغم أنها لا تقل أهمية. ففي غضون عشرة أيام فقط، فقدت السدود المغربية أكثر من 158 مليون متر مكعب من المياه، وفق معطيات رسمية، في وقت أصبحت فيه كل قطرة ماء تمثل رصيدا استراتيجيا لبلد يعيش تحت ضغط التغيرات المناخية. صحيح أن نسبة ملء السدود لا تزال في مستوى مريح مقارنة بالسنة الماضية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كم خزنّا من الماء، بل كم نفقد منه كل صيف دون أن يتحول ذلك إلى ورش وطني للنقاش والبحث عن حلول. وإذا كان الجفاف قد فرض على المغرب الاستثمار في تعبئة الموارد، فهل حان الوقت للاستثمار أيضا في حماية ما تم تخزينه؟

لا أحد يجادل في أن جزءا من هذه الخسائر طبيعي، فالتبخر نتيجة مباشرة لارتفاع درجات الحرارة واتساع المسطحات المائية واشتداد الإشعاع الشمسي. غير أن ما يثير الانتباه هو أن الظاهرة أصبحت متكررة ويمكن قياسها بالأرقام، بينما يظل النقاش العمومي حول وسائل الحد منها محدودا. فهل أصبح فقدان عشرات أو مئات الملايين من الأمتار المكعبة سنويا أمرا عاديا؟ وهل توجد استراتيجية وطنية مخصصة لمواجهة التبخر باعتباره أحد أشكال الهدر المائي؟ أم أن الجهود لا تزال تتركز، بشكل أساسي، على تعبئة الموارد الجديدة دون منح الأهمية نفسها لحماية المخزون القائم؟

المثير أن عددا من الدول التي تواجه ظروفا مناخية قاسية لم تكتف بمراقبة التبخر، بل حولته إلى مجال للابتكار. فقد جرى اعتماد أو اختبار حلول مثل الألواح الشمسية العائمة التي تجمع بين إنتاج الكهرباء وتقليل تعرض المياه لأشعة الشمس، والكرات العائمة التي تحد من فقدان المياه في بعض الخزانات، والأغطية العائمة المخصصة لبعض المنشآت، إلى جانب تقنيات أخرى ما تزال قيد التطوير لتحسين مردوديتها وتقليص كلفتها. ولا يعني ذلك أن هذه الحلول تصلح تلقائيا لكل السدود المغربية، فلكل حوض مائي خصوصياته التقنية والبيئية، لكن ذلك يفتح بابا مشروعا للتساؤل: هل تم تقييم هذه التجارب علميا في السياق المغربي؟ وهل أنجزت دراسات تقارن بين كلفة اعتماد بعض هذه التقنيات وكلفة المياه التي تُفقد سنويا بفعل التبخر؟

وفي ظل التحولات المناخية المتسارعة، قد يكون من المفيد توسيع دائرة النقاش لتشمل أسئلة أكثر عمقا. لماذا لا يتم الإعلان عن برامج تجريبية لتقنيات الحد من التبخر في السدود الأكثر عرضة لفقدان المياه؟ وهل يمكن للجامعات ومراكز البحث المغربية أن تلعب دورا أكبر في تطوير حلول محلية أقل تكلفة وأكثر ملاءمة للظروف الوطنية؟ ثم هل أصبح ملف التبخر يحظى بالمكانة نفسها التي تحظى بها مشاريع بناء السدود، أم أنه لا يزال يُنظر إليه باعتباره أثرا طبيعيا لا يمكن سوى التعايش معه؟ هذه الأسئلة لا تنطلق من فرضية وجود تقصير، وإنما من قناعة بأن الأمن المائي يقتضي مراجعة مستمرة للأدوات والسياسات كلما تغيرت الظروف.

لقد أثبت المغرب خلال السنوات الأخيرة قدرته على تعزيز موارده المائية عبر السدود والتحلية وإعادة استعمال المياه، وهي أوراش استراتيجية لا خلاف حول أهميتها. غير أن المرحلة المقبلة قد تفرض الانتقال إلى مستوى آخر من التفكير، عنوانه الحفاظ على الماء بعد تخزينه، وليس فقط البحث عن مصادر جديدة له. فكل متر مكعب يتبخر اليوم هو مورد قد تحتاجه مدينة غدا، أو ضيعة فلاحية، أو قطاع اقتصادي بأكمله. وربما لم يعد السؤال الحقيقي هو: كم ماء نملك؟ بل أصبح: كم ماء نستطيع أن نحافظ عليه قبل أن تنتصر حرارة الصيف عليه؟

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد