الانتخابات والتنمية المحلية… لماذا تبقى بعض الملفات عالقة رغم تغير المجالس والبرامج؟

عصام سبادي

مع كل انتخابات، تتغير الوجوه، وتتبدل التحالفات، وتُعلن برامج جديدة تحمل عناوين طموحة وشعارات تدعو إلى تسريع التنمية وتحسين جودة الخدمات. غير أن سؤالاً يفرض نفسه بإلحاح مع نهاية كل ولاية انتخابية: لماذا تستمر بعض الملفات نفسها في العودة إلى واجهة النقاش عاماً بعد آخر؟ وهل تكمن المشكلة في حجم التحديات التي تواجه الجماعات الترابية، أم في محدودية الإمكانيات، أم في تعقيد المساطر، أم في عوامل أخرى تجعل بعض المشاريع تستغرق زمناً أطول مما ينتظره المواطن؟ إنها أسئلة يطرحها الرأي العام كلما اقترب موعد انتخابات جديدة، دون أن تكون موجهة إلى جهة بعينها بقدر ما تعكس حاجة متزايدة لفهم أسباب بطء إنجاز بعض الأوراش المحلية.

فالطرق التي تنتظر التهيئة، والمرافق العمومية التي يطالب بها السكان، والنقل الحضري، والإنارة، والمساحات الخضراء، وجودة الخدمات الجماعية… كلها ملفات تتكرر في النقاش العمومي بمناطق مختلفة، رغم اختلاف المجالس وتغير البرامج الانتخابية. وهذا يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل تكفي الوعود وحدها لمعالجة تراكمات امتدت لسنوات؟ وهل يمتلك المواطن صورة واضحة عن حدود اختصاصات المجالس المنتخبة مقارنة باختصاصات باقي المتدخلين في تدبير الشأن المحلي؟ ثم إلى أي حد يؤثر تداخل الصلاحيات والإجراءات الإدارية والتمويل في سرعة تنفيذ المشاريع التي ينتظرها المواطن؟

ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود الحديث عن المستقبل، بينما لا يقل الحديث عن الماضي أهمية. فالمواطن لم يعد يكتفي بالاستماع إلى برامج جديدة، بل أصبح يقارن بين ما أُعلن في السابق وما تحقق على أرض الواقع. لذلك تبرز أسئلة تبدو أكثر إلحاحاً: كيف تُقاس حصيلة ولاية انتخابية؟ ومن يقدم للرأي العام تقييماً واضحاً لما أُنجز وما تعثر، مع توضيح الأسباب بموضوعية؟ وهل يكفي إطلاق مشاريع جديدة، أم أن بناء الثقة يقتضي أيضاً تقديم قراءة شفافة لما تحقق فعلاً وما ما زال ينتظر الإنجاز؟ إنها أسئلة لا تستهدف التشكيك في عمل أي مؤسسة أو أي منتخب، وإنما تعكس تطوراً في وعي المواطنين الذين باتوا يربطون النقاش السياسي بمنطق الحصيلة أكثر من منطق الوعود.

وربما لهذا السبب لم تعد الانتخابات بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين مجرد منافسة بين برامج أو أسماء، بل أصبحت فرصة لطرح سؤال أكبر: كيف يمكن جعل التنمية المحلية مساراً مستمراً لا يتأثر بتغير المجالس أو بتعاقب الولايات الانتخابية؟ فالتنمية لا تُقاس بعدد الشعارات، ولا بحجم الخطابات، وإنما بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطن. وبين حق الفاعلين السياسيين في تقديم رؤاهم وبرامجهم، وحق المواطنين في مساءلة الحصيلة ومناقشتها، يبقى النقاش حول التنمية المحلية أحد أهم الاختبارات التي تقيس قوة الممارسة الديمقراطية وقدرتها على تحويل الانتظارات إلى نتائج ملموسة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد