حين يرتدي حارس الأمن الخاص قبعة الموظف… من يرسم حدود الاختصاص داخل الإدارات؟

عصام سبادي

ليس كل ما يبدو عادياً هو كذلك. فخلف أبواب عدد من الإدارات، يتكرر مشهد قد يمر مرور الكرام بالنسبة للكثيرين، لكنه يطرح أسئلة قانونية وإدارية تستحق التوقف: حارس أمن خاص يستقبل المرتفقين، يطلب منهم وثائق، يوجههم إلى مساطر معينة، يتسلم ملفات، وأحياناً يصبح أول من يتعامل معه المواطن في قضايا يفترض أن تكون من اختصاص موظفين عموميين. هنا لا يتعلق الأمر بالتقليل من قيمة حراس الأمن أو من أهمية الدور الذي يؤدونه، بل بسؤال أكبر: هل تحولت بعض المهام، مع مرور الوقت، من استثناء فرضته ظروف العمل إلى ممارسة يومية تستدعي إعادة النظر في حدود الاختصاص؟ وهل يدرك الجميع أين تنتهي وظيفة الحراسة وأين تبدأ المسؤولية الإدارية؟

من الناحية القانونية، أوكلت منظومة الحراسة الخاصة لحراس الأمن مهام ترتبط أساساً بحماية الأشخاص والممتلكات، وتأمين الفضاءات، ومراقبة الولوج وفق التعليمات المعمول بها، والإبلاغ عن الحالات التي تستوجب التدخل. غير أن ما يلاحظه المرتفق في بعض المرافق، وفق ما يتداول في النقاشات المهنية والإعلامية، هو تكليف بعض الحراس بأدوار تتجاوز هذا الإطار، سواء بتوجيه المواطنين في إجراءات إدارية، أو تدبير طوابير الانتظار وفق معايير قد تُفهم على أنها قرارات إدارية، أو التعامل الأولي مع الملفات والوثائق. وقد كان هذا الواقع محل نقاش داخل المؤسسة التشريعية وبين الفاعلين المهنيين، الذين دعوا أكثر من مرة إلى توضيح الاختصاصات وصون حقوق العاملين في قطاع الأمن الخاص، حتى لا يتحولوا إلى بديل عن موظفين لهم اختصاصات ينظمها القانون.

المفارقة أن أول المتضررين من هذا الخلط قد يكون حارس الأمن نفسه. فهو يجد نفسه في الواجهة أمام المرتفقين، ويتلقى غضبهم أو احتجاجهم بسبب قرارات أو إجراءات لا يملك صلاحية اتخاذها أصلاً، بينما قد يُنظر إليه، بحكم موقعه، على أنه يمثل الإدارة في كل ما يقع داخلها. وفي المقابل، قد يجد المرتفق صعوبة في التمييز بين القرار الإداري الذي يصدر عن موظف مختص، وبين مجرد تعليمات تنظيمية مرتبطة بأمن المرفق. لذلك، فإن الإشكال لا يكمن في الأشخاص، وإنما في تداخل الأدوار الذي قد يخلق التباساً في المسؤوليات ويؤثر على وضوح العلاقة بين الإدارة والمواطن.

إن الإدارة الحديثة لا تُقاس فقط بسرعة تقديم الخدمة، بل أيضاً بوضوح توزيع الاختصاصات وربط كل مسؤولية بصاحبها القانوني. فكلما التزم كل فاعل بحدود المهام المخولة له، تعززت الثقة في المرفق العمومي، وحُفظت حقوق المرتفقين والعاملين معاً. أما إذا استمر تداخل الأدوار، فإن النقاش سيبقى مفتوحاً حول الحاجة إلى مزيد من التأطير والتنظيم، بما يضمن أداء حراس الأمن الخاص لدورهم الحيوي دون تحميلهم مسؤوليات لم يضعها المشرع ضمن اختصاصاتهم، ويضمن في الوقت نفسه أن تبقى المهام الإدارية بيد الجهات التي خولها لها القانون.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد