صراع الشاشات.. هل تنجو دور العرض من مصيدة البث الرقمي؟

 

سيدي اسباعي

لم تعد طقوس مشاهدة الأفلام ترتبط بالضرورة بتلك الرحلة التقليدية نحو دور العرض، حيث الوقوف في طوابير التذاكر الممتدة ورائحة الفشار وصخب القاعات المظلمة أمام الشاشة العملاقة. اليوم، تحول هذا المشهد بالكامل ليصبح رهين نقرة زر واحدة وأنت مستلقٍ على أريكة منزلك، تتصفح قوائم لانهائية من الخيارات التي تقدمها منصات البث الرقمي مثل “نتفليكس” و”شاهد”.

هذا التحول الهائل في سلوك المستهلك لم يعد مجرد طفرة تكنولوجية عابرة، بل هو إعادة صياغة جذرية لصناعة الترفيه العالمية والعربية، تفرض معها سؤالا مصيريا بات يؤرق المنتجين وأصحاب قاعات السينما: هل تكتب هذه المنصات الرقمية شهادة وفاة دور العرض التقليدية، أم أن في الأفق متسعا لتعايش الاثنين معا؟

لقد نجحت منصات البث في تغيير سيكولوجية المشاهدة وعاداتنا اليومية بشكل غير مسبوق، حيث تحول المشاهد من عنصر “منتظر” يخضع لجدول عرض القنوات التلفزيونية أو مواعيد السينما، إلى “متحكم كامل” يملك سلطة تحديد متى وأين وكيف يستهلك المحتوى، وظهرت تبعاً لذلك ظواهر اجتماعية وثقافية جديدة مثل “المشاهدة المتتالية” أو ما يعرف بـ (Binge-watching)، حيث يلتهم المشاهد مواسم كاملة من المسلسلات في ليلة واحدة.

ولم يقف الأمر عند حدود طريقة العرض، بل امتد الصراع إلى جودة المضمون وحجم الإنتاج؛ إذ دخلت منصات مثل “شاهد” بقوة في سوق الدراما العربية بميزانيات ضخمة وإنتاجات سينمائية رائدة، في حين حصدت أعمال “نتفليكس” الأصلية أرفع الجوائز العالمية بما فيها الأوسكار، مما كسر احتكار الاستوديوهات التقليدية الكبرى وهز عروشها التنافسية.

هذا التمدد الرقمي السريع دفع الكثير من النقاد والمحللين إلى تبني نظرة سوداوية تتوقع “موت دور العرض” القريب، مستندين في ذلك إلى إغلاق العديد من القاعات التاريخية وتراجع الإيرادات مقارنة بالطفرة التي تحققها الاشتراكات الرقمية.

ومع ذلك، فإن هذه الجدلية تقابلها وجهة نظر أخرى أكثر تفاؤلا وعمقا، ترى أن السينما ليست مجرد وسيلة لعرض شريط مصور، بل هي “تجربة اجتماعية وثقافية طقوسية” لا يمكن لغرفة المعيشة أو شاشة الهاتف، مهما بلغت دقتها، أن تعوضها.

فالتفاعل الجماعي مع الضحك أو البكاء أو الرعب داخل قاعة السينما يمنح الفن سحره الخاص، تماما كما لم يستطع التلفزيون قديما قتل الراديو، وكما عجزت الكتب الإلكترونية عن إنهاء عصر الكتاب الورقي.

في نهاية المطاف، يبدو أن المشهد السينمائي لا يتجه نحو إبادة طرف للآخر، بل نحو صياغة “نظام تعايش هجين” يتقاسم فيه القطبان كعكة الترفيه، ستظل دور العرض القبلة الأولى للمشاريع البصرية الضخمة، وأفلام المؤثرات البصرية والأكشن، والملاحم الإخراجية الكبرى التي تحتاج إلى بريق الشاشة العملاقة وأنظمة الصوت المحيطية لتوصيل رسالتها.

وفي المقابل، ستستمر المنصات الرقمية في الهيمنة على الدراما الطويلة، والأفلام المستقلة، والقصص الإنسانية والوثائقية العميقة التي تجد في الفضاء الرقمي حرية أكبر وتدفقا مستمرا للجمهور، إنها مرحلة انتقالية يعيد فيها الفن السابع ترتيب أوراقه، ليثبت مجددا أن تطور وسائل العرض لا يعني بالضرورة زوال الشاشة الأم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد