في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة ضجيج يفوق أحيانا صوت الحقيقة، لم تعد كرة القدم مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت لدى البعض إلى فرصة لإثارة الانقسامات، وإشعال نيران الفتنة، ونسج روايات لا تمت إلى الواقع بصلة. وما إن انطلقت منافسات مونديال كأس العالم، حتى خرجت صفحات وحسابات اعتادت الاصطياد في الماء العكر، لتنفخ في رماد التعصب، وتحاول إقناع المتابعين بأن هناك أزمة بين المغرب ومصر، بينما الحقيقة أن الأزمة الوحيدة هي أزمة وعي لدى من يتاجرون بالخلافات.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من المستفيد من تسميم العلاقات المغربية المصرية؟
بكل تأكيد، ليس المغرب ولا مصر، وليس الشعب المغربي ولا الشعب المصري، اللذان جمعتهما عبر التاريخ روابط الأخوة والاحترام والتقدير المتبادل. المستفيد الحقيقي هو من يعيش على صناعة الأزمات، ويقتات على خطاب الكراهية، ويحول التفاعل الرقمي إلى تجارة مربحة، ولو كان الثمن ضرب الثقة بين شعبين شقيقين. فكلما ارتفع منسوب الاستفزاز، ارتفعت معه نسب المشاهدات، وكلما اشتعل الجدل، تدفقت الأرباح على حساب القيم والأخلاق.
العلاقات المغربية المصرية لم تبنها مباراة كرة قدم حتى تهدمها منشورات مجهولة الهوية. إنها علاقة صنعتها عقود من التعاون السياسي، والتبادل الاقتصادي، والتقارب الثقافي، والتاريخ المشترك، حتى أصبحت نموذجا لعلاقة عربية قائمة على الاحترام والمصالح المتبادلة. ولهذا فإن من يعتقد أن مقطع فيديو أو تغريدة غاضبة يمكن أن تنال من هذه الروابط، إنما يراهن على وهم سرعان ما يتبدد أمام قوة الواقع.
ولعل أخطر ما في المشهد، أن بعض الإعلاميين ينساقون أحيانا وراء العاطفة أو التعصب الرياضي، فيتحول الخطاب الإعلامي من رسالة تنوير إلى أداة للاستقطاب. والإعلام الحقيقي لا يقاس بقدرته على إثارة الجماهير، وإنما بقدرته على حماية الحقيقة، وإطفاء الحرائق لا إشعالها. فالصحفي ليس مشجعا يرتدي قميص منتخب، بل صاحب رسالة، والكلمة التي يكتبها قد تبني جسورا بين الشعوب، وقد تهدمها إن غابت عنها الحكمة والمسؤولية.
لقد علمتنا التجارب أن العواصف الإلكترونية عابرة، أما العلاقات بين الدول فتقاس بعمق التاريخ لا بسرعة المنشورات. وصدق القائل: “النار تبدأ بشرارة، والعاقل من يطفئها قبل أن تأتي على الأخضر واليابس.” كما أن الحكمة العربية تقول: “إذا كان الكلام من فضة، فإن الصمت عند الفتنة من ذهب.” وهي رسالة لكل من يفضل الإثارة على الحقيقة، والانفعال على الحكمة.
ليس عيبا أن تختلف الجماهير في تشجيعها أو تقييمها لمباراة أو منتخب، فهذا جزء من جمال الرياضة، لكن العيب أن يتحول ذلك إلى إساءة بين الأشقاء، أو إلى مادة إعلامية تؤجج الأحقاد وتغذي الانقسام. فكما تقول الحكمة: “اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.” وهي قاعدة ينبغي أن تبقى حاضرة في كل نقاش رياضي.
وفي النهاية، سيبقى المغرب ومصر أكبر من كل حملات التحريض، وأقوى من كل الصفحات التي تبحث عن الشهرة عبر نشر الفتنة. فالمونديال سيطوي صفحاته، وستنطفئ أضواء الملاعب، لكن ما سيبقى هو تاريخ طويل من الأخوة والتعاون والمحبة بين شعبين أدركا منذ زمن أن ما يجمعهما أكبر بكثير من مباراة، وأقوى من أي محاولة عابرة لزرع الشقاق بينهما.
