عصام سبادي
لم يعد الخطر في الشوارع يقتصر على حوادث السير أو البنيات التحتية المتداعية، بل أصبح قد يتسلل من عمود إنارة يفترض أن يمنح الناس الأمان ليصبح سببا في إنهاء حياة طفل في لحظات. فالحادث المأساوي الذي أودى بحياة طفل بكورنيش عين الذئاب بعد تعرضه لصعقة كهربائية أعاد إلى الواجهة سؤالا مؤلما: كم من عمود كهربائي معطوب أو مكشوف ما زال ينتظر ضحية جديدة؟ فالمأساة لا تتعلق بخلل تقني عابر، بل تكشف وجها آخر لسلامة الفضاءات العمومية التي يقصدها المواطنون يوميا، خاصة الأطفال.
تكمن خطورة أعمدة الإنارة في أنها قد تبدو سليمة من الخارج، بينما تخفي في داخلها أو عند قواعدها أعطابا كهربائية قاتلة. ويزداد الخطر عندما تكون الأغطية المعدنية مفقودة أو الأبواب مفتوحة أو الأسلاك مكشوفة، أو عندما تتجمع مياه الأمطار أو مياه السقي أو التسربات حول قواعد الأعمدة، فتتحول الأرض المحيطة بها إلى ناقل للتيار الكهربائي. وفي هذه الحالة، قد تكون مجرد ملامسة العمود أو الوقوف في المياه المحيطة به كافية للتسبب في صعقة قد تكون مميتة، خصوصا بالنسبة للأطفال الذين لا يدركون طبيعة هذا الخطر.
وتطرح هذه الوقائع تساؤلات تتجاوز المسؤولية التقنية إلى منظومة المراقبة والصيانة الدورية. فشبكات الإنارة العمومية تخضع لتدبير وصيانة مستمرة، غير أن تكرار حوادث مماثلة يثير النقاش حول مدى نجاعة برامج التفتيش الوقائي، وسرعة التدخل لإصلاح الأعطاب، وآليات رصد الأعمدة المتضررة قبل أن تتحول إلى مصدر تهديد. كما أن حماية التجهيزات الكهربائية من التخريب والسرقة، وإغلاق صناديق التوصيل بإحكام، ووضع حواجز أو إشارات تحذيرية عند تسجيل أي خلل، تبقى إجراءات أساسية للحد من المخاطر.
وتعيد هذه المأساة التأكيد على أن السلامة في الفضاءات العمومية ليست مجرد خدمة تقنية، بل مسؤولية جماعية تتطلب يقظة دائمة من الجهات المكلفة بالتدبير والصيانة، إلى جانب انخراط المواطنين في التبليغ عن أي عمود مكشوف أو متضرر أو يثير الشك. فكل عمود غير مؤمن، وكل سلك ظاهر، وكل غطاء مفقود، قد يكون خطرا صامتا ينتظر لحظة مأساوية. وبينما تتواصل التحقيقات لتحديد ظروف هذا الحادث، يبقى الأمل أن تتحول هذه الفاجعة إلى جرس إنذار يدفع نحو مراجعة شاملة لسلامة أعمدة الإنارة والتجهيزات الكهربائية في مختلف المدن، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي.
