عصام سبادي
لم يعد ارتفاع واردات الأعلاف إلى المغرب مجرد رقم يضاف إلى ميزان المبادلات التجارية، بل أصبح مؤشراً يفتح نقاشاً أعمق حول قدرة المنظومة الفلاحية الوطنية على مواجهة التحولات المناخية والاقتصادية التي يشهدها العالم. فحين يتحول تأمين غذاء القطيع إلى رهان استراتيجي، تصبح كل شحنة أعلاف تصل إلى الموانئ المغربية جزءاً من معادلة تتداخل فيها اعتبارات الأمن الغذائي، واستقرار أسعار اللحوم والحليب، وتنافسية الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق، تبرز المعطيات الرسمية الروسية التي تشير إلى ارتفاع صادرات الأعلاف نحو المغرب باعتبارها مؤشراً يستحق القراءة من زاوية اقتصادية واستراتيجية، بعيداً عن منطق الأرقام المجردة.
فالاعتماد المتزايد على الأعلاف المستوردة لا يمكن فصله عن الواقع الذي يعيشه القطاع الفلاحي المغربي خلال السنوات الأخيرة، حيث أدى توالي فترات الجفاف وتراجع إنتاج المراعي والمحاصيل العلفية إلى ارتفاع كلفة تربية الماشية، ما دفع الفاعلين إلى البحث عن مصادر خارجية أكثر قدرة على تأمين التموين. وتفيد بيانات صادرة عن مؤسسات روسية مختصة بأن المغرب عزز وارداته من الأعلاف ومكوناتها، كما سجل ارتفاعاً في استيراد بذور الصويا وعباد الشمس، وهو ما يعكس، من جهة، حاجة السوق الوطنية إلى تأمين المواد الأولية، ومن جهة أخرى، نجاح روسيا في توسيع حضورها داخل أسواق شمال إفريقيا في ظل المنافسة الدولية على تجارة المنتجات الزراعية.
غير أن هذه الدينامية تطرح، في المقابل، أسئلة مشروعة حول مدى استدامة نموذج يعتمد بشكل متزايد على الأسواق الخارجية لتوفير مدخلات إنتاج تعتبر أساسية للأمن الغذائي. فكل اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، أو تغير في الأسعار الدولية، أو تصاعد للتوترات الجيوسياسية، قد ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج المحلي، ومن ثم على القدرة الشرائية للمستهلك. كما أن تنويع الشركاء التجاريين، رغم أهميته في تقليص المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد، لا يلغي الحاجة إلى تعزيز الإنتاج الوطني من الزراعات العلفية وتطوير حلول أكثر ملاءمة للخصوصيات المناخية التي تعرفها المملكة.
وفي المحصلة، لا ينبغي النظر إلى ارتفاع واردات الأعلاف الروسية باعتباره مؤشراً سلبياً أو إيجابياً في حد ذاته، بل باعتباره نتيجة لتحولات اقتصادية ومناخية متشابكة تفرض على المغرب الموازنة بين متطلبات السوق الآنية والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. فبين ضرورة ضمان تموين قطاع تربية الماشية اليوم، وأهمية بناء منظومة فلاحية أكثر استقلالية غداً، يظل التحدي الحقيقي هو تحويل الاعتماد على الاستيراد من خيار تفرضه الظروف إلى أداة مؤقتة تواكب إصلاحات هيكلية تعزز الأمن الغذائي الوطني وتحد من هشاشة القطاع أمام تقلبات الأسواق العالمية.
