عصام سبادي
لم يعد تدبير النفايات في المدن الكبرى يقتصر على جمع الأزبال ونقلها إلى المطرح، بل أصبح جزءاً من رؤية تنموية متكاملة تراهن على الاقتصاد الدائري والإدماج الاجتماعي في آن واحد. وفي هذا السياق، تبرز المبادرة التي تتجه إليها جماعة الدار البيضاء، بتنسيق مع السلطات المختصة، لإدماج العاملين في جمع وفرز النفايات، المعروفين محلياً بـ”الميخالة” أو “البوعارة”، باعتبارها خطوة تحمل أبعاداً إنسانية وتنموية تتجاوز مجرد تنظيم نشاط غير مهيكل. فهي تعكس توجهاً نحو الاعتراف بدور فئة ظلت لسنوات تساهم، بصمت، في استرجاع وتثمين النفايات، رغم اشتغالها في ظروف صعبة تفتقر إلى الحماية القانونية والاجتماعية.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة لأنها تسعى إلى نقل هؤلاء العاملين من دائرة الهشاشة إلى فضاء العمل المنظم، عبر إحداث قاعدة بيانات خاصة بهم، وتأطيرهم داخل جمعية تعنى بالنظافة، مع فتح المجال أمام استفادتهم من التغطية الصحية والتكوين وبرامج المواكبة الاجتماعية. كما أن إدراج بند في دفتر التحملات يُلزم الشركات المفوض لها تدبير قطاع النظافة بإدماج من تتوفر فيهم الشروط، يعكس توجهاً يجعل البعد الاجتماعي جزءاً من منظومة تدبير المرفق العمومي، وليس مجرد إجراء موازٍ لها.
ورغم أهمية هذا التوجه، فإن نجاحه سيظل مرتبطاً بجودة التنزيل على أرض الواقع. فالإدماج الحقيقي يقتضي اعتماد معايير واضحة وشفافة في الإحصاء والاختيار، وضمان تكافؤ الفرص بين المستفيدين، مع توفير ظروف عمل تحفظ الكرامة والسلامة المهنية، وتواكب عملية الانتقال من العمل غير المهيكل إلى النشاط المنظم. كما أن الحفاظ على مصدر رزق هذه الفئة، بالتوازي مع تحسين مردودية عمليات الفرز والتثمين، سيشكل أحد أبرز مؤشرات نجاح هذه التجربة.
وتستحق هذه الخطوة الإشادة لما تحمله من رؤية تجمع بين البعدين الاجتماعي والبيئي، إذ تؤكد أن تطوير قطاع النظافة لا ينبغي أن يتم على حساب الفئات التي ظلت تشتغل فيه لسنوات، بل من خلال إدماجها وتمكينها من حقوقها الأساسية. وإذا ما تم تنفيذ هذا الورش وفق مقاربة تشاركية وشفافة، فإنه قد يشكل نموذجاً يحتذى به على المستوى الوطني، ويبرهن أن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنيات والتجهيزات، وأن بناء اقتصاد أخضر ناجح يبدأ أولاً بحماية من كانوا جزءاً من هذا القطاع قبل أن يحظى بالاعتراف والتنظيم.
