عصام سبادي
لم يعد مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي مجرد تصور هندسي أو مبادرة إقليمية قيد الدراسة، بل بات يقترب تدريجياً من مرحلة التنفيذ بعد سنوات من الإعداد التقني والمؤسساتي. ومع استكمال جانب كبير من الدراسات الهندسية ودخول المشروع مرحلة استيفاء المتطلبات البيئية والتنظيمية، يبرز هذا الورش كأحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة الإفريقية، ليس فقط بسبب امتداده الجغرافي الذي يربط نيجيريا بالمغرب مروراً بعدد من دول غرب إفريقيا، وإنما أيضاً لما يحمله من رهانات اقتصادية واستراتيجية تتجاوز نقل الغاز إلى إعادة تشكيل ممرات الطاقة وتعزيز التعاون جنوب-جنوب، مع فتح آفاق جديدة للتكامل الاقتصادي بين الدول المشاركة.
ويبرز في هذا السياق الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة المغربية، باعتبارها نقطة الربط الأخيرة بين الغاز الإفريقي والأسواق الأوروبية، وهو موقع يمنحها قيمة استراتيجية متزايدة داخل منظومة الطاقة الإقليمية. فالمشروع لا يقتصر على عبور الأنبوب داخل التراب الوطني، بل يعتمد على البنية التحتية المغربية للربط بخط الغاز المغاربي-الأوروبي، ما يجعل المملكة منصة لوجستية وطاقية قادرة على الإسهام في تنويع مسارات إمدادات الغاز وتعزيز أمن الطاقة لدى الشركاء. كما يعكس المشروع الثقة التي تحظى بها المملكة بفضل استقرارها وموقعها الجغرافي ورؤيتها القائمة على تعزيز التعاون الإفريقي وإطلاق مشاريع تنموية ذات بعد قاري.
ومن الناحية الاقتصادية، يفتح المشروع آفاقاً واعدة أمام المغرب والدول التي يعبرها، سواء من خلال تعبئة استثمارات ضخمة، أو خلق فرص للشغل خلال مراحل البناء والتشغيل، أو تطوير البنيات التحتية والخدمات المرتبطة بالطاقة. كما أن اعتماد المشروع على تشغيل اليد العاملة المحلية، وإنجاز الأشغال عبر حزم متخصصة، قد يساهم في نقل الخبرات وتعزيز الكفاءات الوطنية، فضلاً عن إتاحة إمكانية تزويد مناطق صناعية ومدن بالغاز الطبيعي مستقبلاً، بما يدعم تنافسية الاقتصاد ويهيئ بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات الصناعية، مع مراعاة أن حجم هذه الآثار سيظل مرتبطاً بوتيرة تنفيذ المشروع واستكمال مراحله وفق الجدول الزمني المعلن.
وفي المقابل، يفرض حجم المشروع تحديات تقنية وبيئية تستدعي مواصلة الالتزام بالمعايير الدولية المعتمدة في هذا النوع من المنشآت. فاختيار مسار يجمع بين المقاطع البرية والبحرية، واعتماد حلول هندسية لحماية الأنبوب من التآكل، وتعديل المسارات لتفادي المناطق الحساسة بيئياً، كلها مؤشرات على محاولة تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والمحافظة على البيئة. كما أن استكمال دراسات الأثر البيئي والاجتماعي والحصول على التراخيص اللازمة يظل مرحلة أساسية لضمان إنجاز المشروع في إطار يحترم الضوابط القانونية والبيئية ويحد من الآثار المحتملة على النظم الإيكولوجية والسكان.
وفي المجمل، يمثل أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي مشروعاً يتجاوز كونه استثماراً في مجال الطاقة، ليعكس رؤية استراتيجية تقوم على تعزيز الترابط الاقتصادي بين إفريقيا وأوروبا عبر بوابة المغرب، وترسيخ مكانة المملكة كشريك موثوق في المشاريع الإقليمية الكبرى. وإذا تم تنفيذ مختلف مراحله وفق المخطط المعلن، فإن هذا الورش قد يشكل إضافة نوعية للبنية الطاقية بالقارة، ويعزز حضور المغرب في معادلات الأمن الطاقي والتعاون الاقتصادي، بما ينسجم مع الدينامية التي تشهدها المملكة في مجال تطوير البنيات التحتية والانفتاح على المشاريع ذات البعد القاري والدولي.
