الذكاء الاصطناعي بين الإبداع والجريمة… أين يبدأ الخطر؟

 

عصام سبادي

لم يعد التلاعب بالصور ومقاطع الفيديو حكرا على الخبراء أو شركات الإنتاج، فمع التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان أي شخص، وفي غضون دقائق، إنتاج فيديو يبدو حقيقيا بالكامل، يظهر فيه أي فرد وهو يتحدث أو يقوم بأفعال لم تحدث في الواقع. وبينما فتحت هذه التقنيات آفاقا واسعة للإبداع والتعليم والإنتاج الرقمي، فإنها في المقابل خلقت تحديات غير مسبوقة تتعلق بحماية الأفراد، وصون السمعة، والحفاظ على الثقة في المحتوى المتداول عبر الإنترنت.

لقد أصبحت تقنيات ما يعرف بـ”التزييف العميق” (Deepfake) أكثر دقة وسهولة في الاستخدام، إذ يكفي في بعض الأحيان الحصول على صورة أو عدة صور، أو مقطع صوتي قصير منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، ليتم إنشاء فيديو يحاكي ملامح الشخص وصوته وحركاته بدرجة قد يصعب على المتلقي العادي اكتشاف زيفها. ويمكن أن تُستخدم هذه الإمكانيات في أغراض مشروعة، مثل صناعة الأفلام أو الترجمة أو التعليم، لكنها قد تستغل أيضا في انتحال الشخصية، أو التشهير، أو الابتزاز، أو نشر أخبار ومقاطع مضللة، أو تنفيذ عمليات احتيال مالي، سواء كان ذلك بقصد الإضرار أو نتيجة استخدام غير مسؤول لهذه الأدوات.

وتزداد خطورة الظاهرة مع سرعة انتشار المحتوى عبر المنصات الرقمية، حيث قد يصل الفيديو المفبرك إلى آلاف أو ملايين الأشخاص قبل التحقق من صحته، فيما قد تستمر آثاره على سمعة الضحية حتى بعد إثبات زيفه. كما أن مجرد نفي الشخص المعني قد لا يكون كافيا لإزالة الشكوك لدى الجميع، وهو ما يطرح تحديات جديدة أمام وسائل الإعلام، والسلطات المختصة، وشركات التكنولوجيا، والمستخدمين أنفسهم، خاصة في الفترات الحساسة مثل الانتخابات أو القضايا الجنائية أو النزاعات الاجتماعية.

وفي مواجهة هذه المخاطر، تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة تقوم على التوعية قبل العقاب. فمن الضروري أن يدرك الأفراد خطورة نشر صورهم وأصواتهم دون ضوابط، وأن يتحققوا من صحة المقاطع المثيرة قبل إعادة مشاركتها. كما يظل تطوير أدوات تقنية لكشف المحتوى المفبرك، وتعزيز التشريعات التي تجرم انتحال الهوية الرقمية والابتزاز والتشهير، إلى جانب تعاون المنصات الرقمية في إزالة المحتوى المخالف، من بين أهم وسائل الحد من هذه الظاهرة. وفي المقابل، ينبغي عدم التعامل مع كل مقطع صادم على أنه حقيقة ثابتة، لأن عصر الذكاء الاصطناعي لم يجعل إنتاج المحتوى أسهل فحسب، بل جعل التحقق منه أكثر أهمية من أي وقت مضى.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد