سيدي اسباعي
أثارت التصريحات الأخيرة للقيادي البارز في جبهة البوليساريو، البشير مصطفى السيد، خلال لقاء حواري بتلفزيون “البوليساريو”، ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بالنظر إلى حمولتها السياسية والدلالية غير المسبوقة.
وفي هذا الإطار، يعتبر ما قاله البشير مؤشرا واشيا على حدوث تصدع عميق في السردية التقليدية للبوليساريو، وبداية مرحلة من “الواقعية الاضطرارية” التي تفرضها موازين القوى الراهنة على الأرض والتحولات الإقليمية والدولية المحيطة بالملف.
كما أن اللافت في تصريحات القيادي المعروف يتمثل في لغة الاستعارات الفقهية حين تحدث عن “جواز التيمم في حال غياب الماء”، معتبرا أن إقامة دولة فوق التراب الجزائري لم تعد أمرا مقبولا ولا محققا للمراد.
ويفسر هذا التحول في الخطاب على أنه اعتراف ضمني وعميق بنهاية الأطروحة الانفصالية التقليدية، حيث يرمز “الماء” في كلامه إلى مشروع الدولة المستقلة الذي يبدو أنه واجه جدارا مسدودا، في حين يشكل “التيمم” المخرج والبديل الواقعي المتاح لتسوية هذا النزاع، والمتمثل في البحث عن حلول سياسية مرنة وتنازلات متبادلة خارج إطار التصورات القديمة.
إلى جانب ذلك، حمل خطاب ولد السيد نقدا داخليا حادا ومباشرا لواقع الارتهان للظروف الحالية، فإقرار القيادي بأن الكيان بصيغته فوق الأراضي الجزائرية بات فاقدا للمشروعية والقبول، يؤكد تنامي القناعة داخل المخيمات بأن مشروع تندوف تحول إلى مأزق إنساني وسياسي أخفق في تحقيق تطلعات الساكنة.
كما يأتي حديثه عن ضرورة تقبل “مستوى مؤلم من التضحية” بمثابة تهيئة نفسية وسياسية ضرورية للأتباع، تمهيدا للتنازل عن الشعارات الراديكالية وقبول التفاوض على أرضية الممكن والواقعي المتاح في الساحة الدولية والممثل في حكم ذاتي تحت السيادة المغربية.
وفي تفكيك هذا التصريح يبدو أن اشتراط القيادي توفر “النية للصلاة” للمرور إلى التيمم، يعكس الحاجة إلى توفر إرادة حقيقية لإنهاء الصراع والانخراط في دينامية السلم والاستقرار.
جدير بالذكر، أن مثل هذه الخرجات الإعلامية تؤكد نضج قناعة راسخة بأن الخيارات القديمة لم تعد مجرد مشاريع قابلة للتطبيق، بل غدا البحث عن تسوية سياسية واقعية هو الممر الآمن والأخير لإنهاء عقود من اللجوء والشتات، وبناء مستقبل مستقر للمنطقة.
