الداخلية ترفع درجة اليقظة… رقابة مشددة على استغلال الوسائل العمومية قبل الانتخابات

 

عصام سبادي

 

 

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يعود النقاش إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بنزاهة العملية الانتخابية، وهي كيفية ضمان الفصل بين ممارسة المسؤوليات التدبيرية اليومية للجماعات الترابية وبين أي سلوك قد يُفهم على أنه توظيف للإمكانيات العمومية في سياق ذي بعد انتخابي. وفي هذا الإطار، يندرج تشديد وزارة الداخلية لمراقبة تحركات عدد من المنتخبين ورؤساء الجماعات، وفق ما تم تداوله إعلاميا، ضمن مقاربة استباقية تستهدف تعزيز احترام الضوابط القانونية، وحماية مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين السياسيين، دون أن يشكل ذلك حكما مسبقا على أي جهة أو مسؤول.

 

وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن الجماعات الترابية تتوفر على وسائل وآليات ومعدات عمومية وميزانيات مخصصة لخدمة المصلحة العامة، وهو ما يفرض، كلما اقتربت المواعيد الانتخابية، قدرا أكبر من اليقظة لضمان عدم اختلاط العمل الإداري أو التنموي بأي نشاط قد يفسر باعتباره ذا طبيعة انتخابية.

ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد آليات للرصد والتتبع من قبل السلطات المختصة ينسجم مع فلسفة الوقاية قبل وقوع المخالفة، ويعكس حرص المؤسسات على حماية مصداقية المسار الانتخابي في إطار ما يتيحه القانون، مع احترام قرينة البراءة وعدم تعميم أي ممارسات على جميع المنتخبين.

 

وفي المقابل، يظل من الطبيعي أن يواصل المنتخبون القيام بمهامهم الاعتيادية إلى غاية انتهاء ولاياتهم، بما يشمل تتبع المشاريع، والتواصل مع المواطنين، والإشراف على البرامج التنموية التي تدخل ضمن اختصاصاتهم القانونية. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في التمييز الدقيق بين ممارسة الاختصاصات المخولة قانونا وبين أي استعمال محتمل للإمكانات العمومية خارج الغايات التي خصصت لها. ولهذا فإن وجود مراقبة مؤسساتية محايدة يساهم في إزالة أي لبس، ويحمي المنتخبين الملتزمين بالقانون بقدر ما يردع أي ممارسات قد تخل بمبدأ المساواة بين المتنافسين إذا ثبت وقوعها وفق المساطر القانونية.

 

كما أن اعتماد وزارة الداخلية على التقارير الميدانية وآليات التتبع الإداري يعكس توجها يقوم على التدخل الوقائي بدل الاقتصار على معالجة المخالفات بعد وقوعها. فتعزيز الرقابة في هذه المرحلة لا ينبغي النظر إليه باعتباره تضييقا على العمل السياسي، بل باعتباره ضمانة لتعزيز الثقة في المؤسسات وفي نزاهة المنافسة الانتخابية، خاصة أن القانون الانتخابي يقوم على مبادئ الحياد والشفافية وتكافؤ الفرص، وهي مبادئ لا تكتمل إلا بحماية المال العام والوسائل العمومية من أي استعمال خارج الأهداف التي أنشئت من أجلها.

 

وفي النهاية، فإن نجاح أي استحقاق انتخابي لا يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بنتائج صناديق الاقتراع، بل أيضا بمدى احترام القواعد المنظمة له منذ المراحل الأولى التي تسبق الحملة الانتخابية. وكل إجراء استباقي يهدف إلى صون الحياد الإداري، وحماية الموارد العمومية، وضمان المنافسة المتكافئة بين جميع الفاعلين السياسيين، يظل خطوة مؤسساتية تعزز الثقة في المسار الديمقراطي، شريطة أن يتم تطبيق القانون على الجميع بالمعايير نفسها، وفي إطار الضمانات القانونية واحترام حقوق جميع الأطراف، بعيدا عن أي استنتاجات مسبقة أو أحكام غير مؤسسة على الوقائع والإجراءات القانونية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد