عصام سبادي
لا تقتصر أهمية نفقات التنقل والمهام المهنية داخل المؤسسات والمقاولات العمومية على كونها جزءا من التدبير الإداري اليومي، بل ترتبط أيضا بمبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وحسن استعمال المال العام. ومن هذا المنطلق، يكتسي أي افتحاص تباشره الهيئات الرقابية المختصة أهمية خاصة، لأنه يندرج ضمن آليات المراقبة القانونية والإدارية الرامية إلى التحقق من مدى احترام المساطر المعمول بها، دون أن يعني ذلك، في حد ذاته، ثبوت وجود مخالفات نهائية أو ترتيب مسؤوليات قبل استكمال إجراءات التدقيق واتخاذ القرارات التي تخولها القوانين الجاري بها العمل. ويأتي الاهتمام بملفات “دفاتر المهمات” في سياق أوسع يهدف إلى تعزيز الشفافية وترشيد النفقات داخل القطاع العمومي.
وتثير المعطيات المتداولة بشأن عمليات الافتحاص جملة من الأسئلة المرتبطة بكيفية تدبير التعويضات عن التنقل، وآليات مراقبة تنفيذ المهام المهنية، ومدى كفاية الوثائق المثبتة للمصاريف، فضلا عن نجاعة أنظمة المراقبة الداخلية داخل المؤسسات العمومية. فطبيعة هذه النفقات، التي تشمل أحيانا تنقلات داخل المغرب وخارجه، تجعلها من المجالات التي تتطلب مساطر دقيقة للتصريح والتأشير والتبرير، بما يضمن التوازن بين تمكين الموظفين من أداء مهامهم في أفضل الظروف، وحماية المال العام من أي صرف غير مبرر أو غير مطابق للنصوص التنظيمية. وفي المقابل، فإن مجرد تسجيل ملاحظات خلال الافتحاص لا يشكل، قانونا، إدانة لأي جهة أو شخص، إذ تبقى النتائج النهائية رهينة بما تسفر عنه إجراءات المراقبة والتحقق.
كما يعكس هذا النوع من الافتحاصات الدور الذي تضطلع به مؤسسات الرقابة المالية في تقييم مدى الالتزام بالمناشير والتعليمات المنظمة لتدبير النفقات العمومية، خصوصا تلك المتعلقة بالسفر، والتكوين، والتعويضات، والتسبيقات على الأجور. وتبرز أهمية التنسيق بين مختلف الأجهزة الرقابية في توحيد معايير المراقبة وتبادل المعطيات، بما يسمح بتحديد أوجه القصور إن وجدت، واقتراح التدابير الكفيلة بمعالجتها، سواء تعلق الأمر بتطوير آليات الرقمنة والتتبع، أو تعزيز أنظمة المراقبة الداخلية، أو مراجعة بعض المساطر التنظيمية لتفادي تكرار الاختلالات المحتملة مستقبلا.
وفي جميع الأحوال، فإن أي نقاش حول تدبير نفقات المهمات المهنية ينبغي أن ينطلق من مبدأين متلازمين؛ الأول هو حماية المال العام وضمان صرف الاعتمادات وفق الضوابط القانونية، والثاني هو احترام قرينة البراءة وعدم استخلاص أي مسؤولية فردية أو مؤسساتية قبل انتهاء مساطر الافتحاص واتخاذ الجهات المختصة لما تراه مناسبا في إطار القانون. لذلك، تبقى مثل هذه العمليات الرقابية مؤشرا على اشتغال آليات المراقبة المؤسساتية، وفرصة لتقييم منظومة التدبير المالي والإداري، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة، بعيدا عن التعميم أو إصدار أحكام مسبقة.
