الملك العمومي والأسواق النموذجية… هل تنجح المراجعة في تجاوز سنوات التعثر؟78

 

عصام سبادي

أعادت التحركات الإدارية الرامية إلى تقييم وضعية الأسواق النموذجية غير المستغلة إلى الواجهة ملفا ظل يثير النقاش منذ سنوات، يتعلق بجدوى مشاريع أُنجزت بكلفة مالية مهمة لكنها لم تؤدِّ في عدد من الحالات الغاية التي أُحدثت من أجلها، والمتمثلة في تنظيم التجارة غير المهيكلة وتهيئة فضاءات ملائمة للباعة الجائلين. ويأتي هذا الحراك في سياق يتسم بتكثيف جهود تحرير الملك العمومي وإعادة تنظيم الفضاءات الحضرية، وهو ما يجعل نجاح هذه المشاريع جزءا أساسيا من أي مقاربة تروم معالجة الظاهرة بشكل مستدام، بدل الاكتفاء بالإجراءات الميدانية المرتبطة بالإخلاء أو المنع.

ويطرح استمرار إغلاق عدد من الأسواق النموذجية، رغم جاهزيتها في بعض الحالات، تساؤلات مرتبطة بطبيعة التحديات التي تعترض انتقال الباعة إليها. فعملية إعادة التوطين لا تقتصر على توفير بنايات أو محلات تجارية، بل ترتبط أيضا بإعداد لوائح المستفيدين، وضمان الشفافية وتكافؤ الفرص، وتحقيق قبول اجتماعي لدى الفئات المعنية، إضافة إلى توفير شروط اقتصادية تجعل هذه الفضاءات قادرة على استقطاب الزبائن وضمان استمرارية النشاط التجاري. ومن ثم، فإن أي تأخر قد يكون ناتجا عن تداخل عوامل إدارية أو تنظيمية أو اجتماعية تختلف من منطقة إلى أخرى، وهو ما يفرض دراسة كل حالة وفق خصوصيتها بعيدا عن التعميم.

وفي المقابل، يسلط هذا الملف الضوء على أهمية الحكامة في تدبير المشاريع العمومية، خاصة تلك الموجهة لتحقيق أهداف اجتماعية وتنموية. فكل مشروع لا يحقق الغاية التي أنشئ من أجلها يمثل موضوعا مشروعا للتقييم الإداري والافتحاص، سواء تعلق الأمر بآليات البرمجة أو التنفيذ أو المتابعة أو الاستغلال بعد الإنجاز. كما أن تفعيل آليات المراقبة الإدارية وطلب التقارير التفسيرية يندرج ضمن أدوات التدبير التي تسمح بتحديد مكامن التعثر، ورصد أوجه القصور إن وجدت، وتمكين الجهات المختصة من اتخاذ ما تراه مناسبا في إطار القوانين والمساطر الجاري بها العمل، مع احترام قرينة البراءة وعدم ترتيب أي مسؤولية إلا بناء على نتائج الأبحاث والإجراءات القانونية المختصة.

وتبرز هذه التطورات أن معالجة ظاهرة الأسواق العشوائية لا يمكن أن تنجح إلا إذا تزامنت مع تشغيل فعلي وناجع للأسواق النموذجية، بما يحقق التوازن بين حماية النظام العام، وصون الملك العمومي، وضمان شروط ممارسة الأنشطة الاقتصادية في إطار منظم. كما أن تقييم المشاريع العمومية بشكل دوري، والوقوف على أسباب تعثر بعضها، يمثلان جزءا من مقومات الحكامة الجيدة وترشيد الإنفاق العمومي، بما يساهم في تعزيز فعالية البرامج التنموية وتحقيق الأهداف التي رُصدت لها الاعتمادات، مع ترك الحسم في أي مسؤوليات محتملة للجهات المختصة وفق ما ستسفر عنه إجراءات التقييم أو الافتحاص أو الأبحاث الإدارية والقانونية، كل بحسب اختصاصه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد