عصام سبادي
يشكل مشروع دليل المساطر التشريعية والتنظيمية الذي أعدته الأمانة العامة للحكومة خطوة تفتح باب النقاش حول الكيفية التي تُصاغ بها القوانين والنصوص التنظيمية داخل الإدارة المغربية، وحول مدى تأثير منهجية الإعداد على جودة التشريع واستقراره. فالقوانين لا تكتسب أهميتها من مضمونها فقط، بل أيضاً من المسار الذي تُعد عبره، ومن وضوح الصياغة، واحترام التسلسل الإجرائي، وتحديد الاختصاصات، والتنسيق بين مختلف المتدخلين. ومن هذا المنطلق، يبرز الدليل باعتباره محاولة لتوحيد المرجعية المسطرية بين القطاعات الحكومية، بما قد يسهم في الحد من تباين الممارسات عند إعداد النصوص القانونية.
ويثير المشروع في المقابل تساؤلات مرتبطة بمدى قدرة توحيد المساطر على معالجة مختلف الإشكالات التي قد تواجه العملية التشريعية. فالتشريع لا يرتبط فقط بإجراءات الإعداد، وإنما كذلك بجودة الدراسات القبلية، ودقة تقييم الأثر، ومدى إشراك الفاعلين المعنيين، والقدرة على استشراف الانعكاسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية للنصوص قبل اعتمادها. كما أن إدراج آليات مثل التخطيط المسبق للنصوص التطبيقية، والاهتمام بالأحكام الانتقالية، وتوسيع نطاق الاستشارات، يعكس توجهاً نحو تنظيم مختلف مراحل إنتاج القاعدة القانونية، بما يهدف إلى تقليص حالات التأخر أو الغموض التي قد ترافق تنفيذ بعض القوانين.
ومن زاوية أخرى، يطرح المشروع أهمية الحفاظ على استمرارية المعرفة القانونية داخل الإدارة، خاصة في ظل تغير المسؤولين والأطر المكلفة بإعداد النصوص. فوجود دليل موحد يمكن أن يساهم في توحيد أساليب العمل، وتقليص هامش الاختلاف في الصياغة بين القطاعات، وتسهيل نقل الخبرة المؤسسية. كما أن اعتماد آلية توطيد النصوص القانونية لتجميع التعديلات في صيغة موحدة قد يسهم في تحسين قابلية القوانين للقراءة والتطبيق، سواء بالنسبة للإدارة أو للقضاء أو للمهنيين والباحثين، وهو ما يرتبط بمبدأ الأمن القانوني الذي يقوم على وضوح القاعدة القانونية وإمكانية الولوج إليها وفهمها.
ويبقى نجاح هذا الورش مرتبطاً بمدى تنزيل مقتضيات الدليل على أرض الواقع، وتحديثه بشكل مستمر لمواكبة التطورات التشريعية والمؤسساتية، إضافة إلى توفير التكوين اللازم للأطر المكلفة بإعداد مشاريع النصوص. كما يظل تقييم أثر هذا الدليل رهيناً بالممارسة العملية بعد اعتماده، من خلال رصد مدى انعكاسه على جودة التشريع، وسرعة إعداد النصوص، وفعالية التنسيق بين القطاعات الحكومية، ومدى مساهمته في إنتاج منظومة قانونية أكثر انسجاماً ووضوحاً، بما يعزز الثقة في التشريع ويخدم متطلبات الحكامة القانونية دون استباق نتائج لا يمكن تقييمها إلا بعد التطبيق الفعلي.
