حين تتزامن الحملات الإعلامية مع محطات الإنجاز… قراءة في دلالات استهداف صورة المغرب

عصام سبادي 

لم يعد الأمر يقتصر على مجرد صدفة إعلامية، ولم يعد من السهل إقناع الرأي العام بأن تكرار المشهد في كل مرة لا يحمل أي دلالة. فكلما حقق المغرب مكسبا دبلوماسيا، أو عزز شراكاته الدولية، أو اقترب من محطة وطنية كبرى، عادت بعض المنابر الأجنبية إلى إعادة إحياء الملفات نفسها، وكأن الإنجاز المغربي أصبح مناسبة لفتح معارك إعلامية جديدة. قد تختلف العناوين، لكن النتيجة تكاد تكون واحدة: محاولة التأثير على صورة المملكة في أكثر اللحظات التي تحقق فيها حضورا دوليا متقدما.

إن إعادة طرح ملف “بيغاسوس” في هذا التوقيت، تزامنا مع الدينامية غير المسبوقة التي تعرفها العلاقات المغربية الفرنسية، ومع توقيع اتفاقيات استراتيجية كبرى، وقبل أيام من الاحتفال بعيد العرش المجيد، تثير أكثر من سؤال. فالنقاش هنا لا يتعلق بمضمون الملف فقط، بل بالتوقيت الذي اختير لإعادته إلى الواجهة. وعندما يتكرر هذا النمط مع ملفات مختلفة وعلى امتداد سنوات، يصبح من حق المتابع أن يتساءل: هل نحن أمام تغطية إعلامية عادية، أم أمام اختيار متكرر للحظة الأكثر حساسية من أجل إحداث أكبر أثر ممكن على صورة المغرب؟

والمثير أن هذه الحملات لم تنجح، رغم تكرارها، في تغيير المسار الذي اختاره المغرب. فالمملكة، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، واصلت ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية صاعدة، وعززت حضورها في إفريقيا، ووسعت شبكة شراكاتها الدولية، وأصبحت شريكا أساسيا في ملفات الأمن والهجرة والاستثمار والطاقة، كما أطلقت مشاريع استراتيجية غيرت وجه الاقتصاد الوطني ورسخت ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين. وهذه الوقائع الملموسة هي التي منحت المغرب مكانته، وليس ما يكتب في عناوين عابرة.

ولا أحد يجادل في أن حرية الصحافة حق أساسي، وأن النقد المهني ركيزة من ركائز الديمقراطية. لكن الحرية، مثلها مثل أي حق، تزداد قوة عندما تقترن بالموضوعية والتوازن واحترام قرينة البراءة، وعندما تبتعد عن الانتقائية وإعادة تدوير الملفات دون مستجدات جوهرية أو أحكام قضائية نهائية. لذلك، فإن من حق الرأي العام أن يناقش أيضا دور التوقيت في صناعة التأثير، وأن يميز بين العمل الصحافي المهني وبين الممارسات التي قد تُقرأ باعتبارها جزءا من معارك التأثير على الصورة والانطباع.

لقد أثبتت التجربة أن المغرب لا يربح معاركه بالشعارات، بل بالإنجازات. وكلما اشتدت محاولات التشويش، ازداد إصراره على مواصلة البناء وتعزيز دولة المؤسسات وترسيخ حضوره الدولي. فصورة الدول لا تُحسم في صفحات الجرائد، بل تُصنع في الميدان، بالاستقرار، وبالاستثمار، وبالثقة التي يضعها الشركاء الدوليون في مؤسساتها. ولذلك، فإن ما يثير الانتباه ليس مجرد عودة بعض الملفات، بل تكرار عودتها كلما تقدم المغرب خطوة جديدة إلى الأمام؛ وهي ملاحظة تظل مشروعة، وتستحق أن تُقرأ بعين التحليل، لا بمنطق المصادفة الدائمة.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد