يبدو أن الجزائر بدأت تدرك، ولو متأخرة، أن قواعد اللعبة في المنطقة تغيرت، وأن النفوذ الذي كانت تراهن عليه لعقود لم يعد محصنا كما كان. فالتطورات المتسارعة في المشهد الإقليمي تكشف عن واقع جديد تتراجع فيه فعالية الأدوات التقليدية، مقابل صعود قوة الشراكات الاقتصادية والاستثمارات الاستراتيجية العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يبرز التوتر بين الجزائر والإمارات باعتباره مؤشرا على عمق التحولات التي تشهدها المنطقة، خصوصا في ظل تنامي الحضور الإماراتي في عدد من المشاريع الكبرى المرتبطة بالمغرب وإفريقيا. ومن بين أبرز هذه المشاريع، يبرز أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يحمل في طياته رهانات تتجاوز نقل الطاقة، ليشكل جزءا من رؤية أوسع لإعادة رسم خريطة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في القارة.
لقد اعتادت الجزائر، لسنوات طويلة، توظيف موقعها كمنتج رئيسي للطاقة في بناء نفوذها الإقليمي والدولي، مستفيدة من ثقل الغاز في علاقاتها مع أوروبا وإفريقيا. غير أن التحولات الجديدة تفرض عليها مواجهة حقيقة باتت أكثر وضوحا: احتكار أوراق النفوذ لم يعد ممكنا في عالم تتسابق فيه الدول على بناء الشراكات والممرات الاستراتيجية وتنويع مصادر الطاقة.
المغرب، في المقابل، اختار مسارا مختلفا. فبدلا من الاكتفاء بإدارة الخلافات السياسية، اتجه إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية، وتحويل موقعه الجغرافي إلى منصة للتواصل بين أوروبا وإفريقيا. ومع دخول الاستثمارات الخليجية الكبرى إلى هذا المشهد، تزداد قدرة الرباط على تحويل طموحاتها القارية إلى مشاريع ملموسة تستند إلى شراكات متعددة الأطراف.
وهنا تحديدا تكمن إحدى نقاط التحول. فالمغرب لا يسعى فقط إلى منافسة الجزائر في المجال الطاقوي، بل يعمل على بناء منظومة متكاملة من المصالح الاقتصادية والسياسية، تجعل من حضوره الإفريقي أكثر رسوخا. وفي المقابل، يبدو أن الجزائر تجد نفسها أمام واقع جديد لا يكفي فيه الاعتماد على الثقل الطاقوي أو الخطاب السياسي للحفاظ على موقع متقدم في معادلة النفوذ.
أما الإمارات، فإن انخراطها المتزايد في المشاريع ذات البعد الاستراتيجي المرتبطة بالمغرب يمكن أن يقرأ باعتباره جزءا من توجه أوسع نحو الاستثمار في القارة الإفريقية، والبحث عن مواقع مؤثرة في مشاريع البنية التحتية والطاقة والتجارة. وإذا ما تكرست هذه الشراكات، فإنها ستضيف بعدا جديدا إلى التوازنات القائمة، وتمنح المشاريع الكبرى شبكة من المصالح التي تتجاوز حدود الدول المعنية مباشرة.
لهذا، فإن ما يجري اليوم لا ينبغي اختزاله في خلاف دبلوماسي بين عاصمتين. فالمشهد أكبر من ذلك بكثير. نحن أمام صراع هادئ على النفوذ، وعلى من يملك القدرة على صياغة مستقبل إفريقيا اقتصاديا واستراتيجيا، ومن يستطيع بناء تحالفات قوية قادرة على الصمود أمام التحولات الدولية.
والرسالة التي تبدو واضحة في هذا السياق هي أن المغرب اختار أن يواجه التحولات بمنطق الشراكات والمشاريع الكبرى، بينما تجد الجزائر نفسها مطالبة بإعادة تقييم أدواتها ونفوذها في محيط إقليمي سريع التغير.
لقد انتقلت المعركة من التصريحات إلى المشاريع، ومن الخطابات إلى الاستثمارات، ومن الحسابات الدبلوماسية الضيقة إلى رهانات استراتيجية تمتد لعقود. وفي هذه المعركة، لن يكون الأقوى بالضرورة من يرفع صوته أكثر، بل من ينجح في بناء شبكة المصالح التي تجعل حضوره جزءا من مستقبل القارة.
وهنا، ربما تكمن المفارقة الكبرى: فبينما تنشغل بعض الأطراف بمحاولات محاصرة خصومها سياسيا، يواصل المغرب بناء جسور اقتصادية واستراتيجية جديدة. وفي عالم السياسة الدولية، قد تكون المشاريع التي تبنى اليوم أكثر تأثيرا من المعارك الكلامية التي تخوضها العواصم.
