بنعبد الله الشافعي نائب رئيس الهيئة التنفيذية لA.D.D.H بالمغرب :عبد الرحيم فاكر.. اختبار جديد لكونية حقوق الإنسان
الشافعي بنعبد الله نائب رئيس الهيأة التنفيذية لجمعية الدفاع عن حقوق الانسان
لم يكن المواطن المغربي عبد الرحيم فاكر، البالغ من العمر 43 سنة، ليتحول إلى قضية رأي عام دولي وحقوقي استنفرت أصوات المدافعين عن الحق في الحياة والكرامة الإنسانية، لولا ذلك الفيديو الصادم الذي كشف للرأي العام العالمي ملابسات لحظاته الأخيرة بمدينة بولونيا الإيطالية. فلولا هذا التوثيق البصري، لربما ظلت وفاته مجرد رقم يضاف إلى سجل طويل من الضحايا الذين غابت عنهم عدسات الكاميرات وآليات المساءلة.
لقد وثق الفيديو مشهداً صادماً لمواطن يستغيث مردداً: “النجدة.. كفى.. كفى”، فيما كان شرطيان يثبتانه أرضاً ويواصلان تقييد ساقيه. وهي وقائع تفرض، قانوناً وأخلاقاً، كشف الحقيقة كاملة عبر تحقيق قضائي مستقل وفعال وشفاف يحدد المسؤوليات ويضمن عدم الإفلات من العقاب.
إن الحق في الحياة ليس منحة تمنحها الدول، بل حق أصيل وملازم لكل إنسان، كرسته المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأكدته المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما ألزمت المادة الثانية من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان الدول بحمايته، وبإجراء تحقيقات فعالة كلما ارتبطت الوفاة بتدخل لموظفي إنفاذ القانون.
ولم يترك القانون الدولي مسألة استعمال القوة لتقدير الأجهزة الأمنية وحدها، بل أخضعها لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب. فالمبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين تؤكد أن استعمال القوة إجراء استثنائي لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة تنتهي بإزهاق الأرواح خارج الضوابط القانونية الصارمة.
كما أن الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم تؤكد أن المهاجر يتمتع، شأنه شأن أي إنسان، بكامل حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة والحماية من جميع أشكال العنف وسوء المعاملة، بصرف النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني.
إن قضية عبد الرحيم فاكر لم تعد قضية فردية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى احترام المنظومة الحقوقية الدولية لمبدأ كونية حقوق الإنسان. فالحقوق لا تكون كونية إذا تفاوتت درجة الحماية القانونية والأخلاقية بحسب جنسية الضحية أو لون بشرته أو وضعه الاجتماعي.
واليوم، تقف المنظمات الحقوقية الدولية والإيطالية أمام محك حقيقي؛ فإما أن تنتصر للمبادئ التي تأسست عليها، وإما أن تصمت أمام قضية هزت الضمير الإنساني. إن مسؤوليتها لا تقتصر على إبداء التضامن، بل تمتد إلى مواكبة مجريات التحقيق، والمطالبة بكشف الحقيقة كاملة، وضمان حق أسرة الضحية في العدالة وجبر الضرر، ورصد مدى احترام السلطات الإيطالية لالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
إن كونية حقوق الإنسان لا تُقاس بما يُكتب في المواثيق الدولية، بل بما يُمارس عند سقوط أول ضحية. فالحق في الحياة لا يسقط بالهجرة، ولا ينتقص منه اختلاف الجنسية أو الأصل، والعدالة التي لا تحمي الضعفاء تفقد مشروعيتها الأخلاقية والإنسانية.
وستبقى قضية عبد الرحيم فاكر اختباراً حقيقياً لصدق الالتزام العالمي بحقوق الإنسان، لأن قيمة هذه الحقوق لا تُختبر في أوقات الاستقرار، بل في اللحظات التي يكون فيها الإنسان أعزل في مواجهة سلطة القوة.
