سبعة رجال … كرامات، خوارق وشعوذة بأضرحة لها مكانة خاصة بمراكش ـ ـ الإمام السهيلي ـ ـ
الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي: يقع ضريحه خارج أسوار مراكش العتيقة يجاور الإقامة الملكية من الجهة الخلفية مما جعل الضريح ـ الذي تأوي باحته قبور بعض النساء من الأسرة العلوية على عهد السلطان عبد الرحمان ـ يستفيد من ترميم وصباغة ويحظى بحراسة خاصة لم تتوفر له سابقا حيث يقع الضريح داخل مقبرة/ روضة تحمل اسمه كانت إلى وقت قريب في وضعية جد سيئة، لازالت تضفي على الضريح سكونا رهيبا كما لا يوجد بالضريح أي مصدر للمياه كما هو الحال بالنسبة لضريح يوسف بن علي الصنهاجي، باستثناء لوحة رخامية عند مدخل المقبرة تشير إلى الضريح مع الإشارة إلى معلومات مقتضبة عن الولي الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي الذي عاش في مالقة بالأندلس معظم حياته فقيرا معدما مثله في ذلك مثل كثير من العلماء الذين عاكسهم الحظ وأهملهم الناس لإملاقهم، شغلنا بكسب العلم عن مكاسب الغنى كما شغلوا عن مكاسب العلم بالوفر.
وصار لهم حـظ من الجهـل والغنـى وصار لنا حـظ مـن العلم والفقر لكن لم يلبث أن ابتسم لـه الحظ، في أخريات حياته، في ظل السياسة الثقافية، التي نهجها الخليفتان الموحديان، يوسف وابنه يعقوب، في استقدام العلماء والأدباء من شتى الجهات، حيث تم في هذا الإطار، استدعاء السهيلي إلى مدينة مراكش.
وينسب ابن دحية إلى نفسه، فضل التعريف بالإمام السهيلي، لدى الموحدين فيقول:” وكان ببلده يتسوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف إلى أن وصلت إليه وصحح” الروض الأنف” بين يديه فطلعت به إلى حضرة مراكش فأوقفت الحضرة عليه فأمروا بوصوله إلى حضرتهم وبذلوا لـه من مراكبهم وخيلهم ونعمتهم وقوبل بمكارم الأخلاق وأزل الله عنه علام الإملاق”
والظاهر أن ابن دحية وغيره من تلامذة السهيلي ساهموا – جميعا- كل من موقعه في التعريف بأستاذهم وبكتابه النفيس ” الروض الأنف” وكان بعضهم مكينا عند ملوك وأمراء الموحدين كأبي محمد عبد الله بن حوط الله الأنصاري (ت 612 هـ) ولي القضاء بمدن كثيرة في الأندلس والمغرب، وكان يميل في الاجتهاد في نظره، ويغلب طريقة الظاهرية، ومثله أبو القاسم أحمد بن يزيد بن بقي الأنصاري (ت 625 هـ) وكان قاضي الخلافة المنصورية ويميل هو الآخر إلى الظاهر في أحكامه وعلى ذلك كان المنصور الموحدي
فمتى وصل السهيلي إلى مراكش؟ وكم بقي فيها إلى أن وافاه الأجل المحتوم ؟
تجمع جل المصادر التاريخية على أن مدة إقامة السهيلي بمدينة مراكش استمرت نحو ثلاث سنوات، هي تمام العمر ونهاية الأمر، وإذا كانت وفاته في أواخر شعبان سنة 581 هـ حسب ابن دحية وأكثر مترجميه، فإن مجيئه إلى مراكش سيكون في حدود 578 هـ أو 579 هـ على عهد يعقوب يوسف بن عبد المومن الموحدي (ت 580 ).
وعلى الرغم من قصر المدة التي عاشها السهيلي تحت سماء مراكش فقد كان له نشاط علمي متميز.
يقول صاحبا أعلام ملقة :” وامتد به أجله وأنساه في شأو الحياة مهله، حتى تطلع في سماء مجلس أمير المومنين بدرا، وتبوأ منه بعلمه البارع محلة ووكراً فخلع على أهله من منمنم أمداحه خلعا وابتع من مليح قريضه بدعا أصارت إليه منهم قلوبا وأنالت من أكفهم مأمولا ومطلوبا..”
ويبدو أنه استطاع بذلك، أن يسرق الأضواء من بعض علماء الموحدين “الطلبة” حتى ضاقوا ذرعا.
يقول ابن دحية :” وفي كل يوم يجنيهم من حديثه أزهارا، ويقطفهم من ملحه أسا وبهارا، حتى حسده الطلبة، وجردوا لملامه حساما، وحددوا للكلام فصولا وأقساما” ومن المعلوم، أن ملوك وأمراء الموحدين،كانوا من العلماء، وكان المنصور، كثيرا ما يعد أمورا للمذاكرة بمجلسه.
يقول ابن عبد الملك المراكشي:” كان المنصور من بني عبد المؤمن كلما وقعت له مسألة غريبة وقدر شذوذها ذكرا أو فهما عن الحاضرين بمجلسه من أهل العلم”..” أجرى ذكرها بينهم فوقعت المذاكرة فيها بينهم حتى استوفى كل منهم ذكر ما حضره فيها استشرق المنصور إلى الشفوف عليهم باستقصاء ما من الأجوبة فيها لديهم”
لكن وجود مثل أبي محمد ابن الفرس في المجلس، طالما أفسد على المنصور خطته،إذ كان سرعان ما يتقدم فيقول:” بقي فيها كذا وكذا فيأتي على ما كان المنصور قد أعده للظهور بينهم، وكثر هذا من أبي محمد حتى استثقله المنصور فكان من أكبر الدواعي إلى هجرته”
ومن ثم فلا عجب، أن يناصب طلبة الموحدين،أبا زيد السهيلي العداء، لأنهم كانوا يعتبرون أحاديثه، الغنية بالعلم والأدب، تعالما عليهم واستعلاء، مع ما كان يمتاز به، على كثير من معاصريه، من ذكاء حاد وفهم ثاقب.
كان أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن الفخار الأنصاري المالقي المتوفى بمراكش سنة 590هـ أحفظ أهل زمانه حتى قال:” ثلاثة كتب هي عندي كسورة من القرآن” كتاب مسلم” يعني الصحيح و” المقدمات” لأبي الوليد بن رشد و” التقصي لأبي عمر بن عبد البر”
ولعلمه وجلال قدره،استجلبه المنصور الموحدي إلى مراكش سنة 580هـ،عن هذا الرجل يقول السهيلي، فيما رواه عنه تلميذه أبو سليمان بن حوط الله قال:” سمعت شيخنا أبا زيد السهيلي يقول:لما شهدت من حفظ أبي عبد الله ابن الفخار صاحبنا ما عجز عنه غيره، ورأيته قد تقدم في ذلك، قلت: كيف أسود مع هذا؟ فرزقني الله من الفقه، ما قصر عنه وسواه، والحمد لله على ذلك كثيرا”
ومن تلامذة السهيلي بمراكش حيث كان يدرس مادة السيرة النبوية من خلال كتابه:” الروض الأنف”، حيث كانت الكراسي العلمية قد أخذت مكانتها ببعض المساجد والجوامع بعد انطلاقتها أواخر العصر المرابطي بكل من جامعة القرويين بفاس وجامعة ابن يوسف بمراكش:
1- أبو حفص عمر بن عبد الله ابن صمع القرشي(ت 598هـ) تونسي نزل مراكش مات بها.
2- أبو عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان اليعمري أو اليفرني ويقال البطوني تلمساني(ت 625هـ) له برنامج في شيوخه سماه:” الإقناع في ترتيب السماع” مات بتلمسان.
3- أبو العباس أحمد بن مفرج اللخمي النباتي (ت 637 هـ) سمع على السهيلي بمراكش السير وتأليفه” الروض الأنف” في شرحها.
هؤلاء بعض تلامذته الذين أخذوا عنه بمراكش زيادة على الذين لقوه أو يمكن أن يكونوا قد لقوه بمراكش من تلامذته القدماء كابن دحية ومحي الدين بن عربي وأبي القاسم بن بقي وغيرهم.
أكد الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ تولى الإمام السهيلي خطة القضاء، فقال:
” وبلغنا أن السهيلي ولي قضاء الجماعة فحمدت سيرته كذا وجدت على ظهر كتاب فرائضه”
وذكر كل من الصفدي في نكت الهميان وابن الجزري في غاية النهاية أن السهيلي تقلد منصب قضاء الجماعة وحسنت سيرته.
وإذا صح ذلك فالأقرب أن يكون بمدينة مراكش خلال المدة القليلة التي قضاها بها والتي خرج فيها من عهود الفقر والعوز إلى عهد السعة واليسار.لكن قضاءه في هذه الفترة بالذات يطرح عدة تساؤلات من أهمها كيف يتأتى له ذلك وهو فقيه مالكي في ظل توجه ظاهري لا يخفى للمنصور الموحدي مع ما للعلماء في تولي المكفوف القضاء من كلام وربما يكون قد تولى القضاء في إطار مخصوص وبتوجيه من السلطان كقضاء النساء-مثلا، مع ما كان يتميز به من استقلال الشخصية وانتصار للرأي الاجتهادي القائم على الاستقراء والتأمل مما يجعله يتفق أحيانا مع الظاهرية عن غير قصد كقوله:” إن البسملة آية من كتاب الله تعالى مقترنة مع السورة وهو قول داود وأبي حنيفة وهو قول بين لمن أنصف”. وحكى ابن الموقت في ” السعادة الأبدية” أن السهيلي لما استقدم إلى مراكش لم يطق فراق بيته وأهله ولم يخف ذلك عن السلطان الذي أمر بتصوير محله وبنيانه بمراكش على ما هو ببلده مالقة فبنى كذلك وبعث لأهله من غير علمه إلى أن وصلوا للمحل، الذي هو نظير محلهم فبعد ذلك أمر السلطان الفقيه المترجم لله أن يجتمع بأهله في محله فلما دخل وجد أهله والمحل كأنه محله الأصلي من غير زيادة ولا نقصان ووجد جميع ما يملكه في محله الأول حاضرا فتعجب من ذلك”.
إن تشابه هذه القصة مع قصة ابن زهر لا تفيد التعارض كما يفهم لأول مرة، بل تفيد التعاضد ومن تمام الاهتمام بالشخصيات العلمية المرموقة أن تحاط بالعناية اللازمة وتوفر لـهم كل أسباب الراحة وفي مقدمتها السكن المريح ثم إن الشيء الذي يؤكده هذا البحث هو أن السهيلي ترك- فيما يبدو فعلا- أهله بمالقة كلهم أو بعضهم.
لقد تساءل الدكتور محمد إبراهيم البنا- من قبل- عن سر تعدد كنى السهيلي فهو أبو القاسم وأبو زيد وأبو الحسن ثم قال:” لعله كني بأسماء أولاده، وإن كنا لا نعرف عنهم شيئا.
ورغم ترجمة صاحب أعلام مالقة أبو الحسن علي وقال:”إنه كان رحمه الله من أهل الطلب والنباهة عفيفا فاضلا دينا ورعا وكان مشتغلا بصنعة التوثيق مشهور الفضل والديانة”.
وشكلت مسألة نسب المنصور- إن صحت- خاتمة غير سعيدة لحياة الإمام السهيلي وذلك أن أبا القاسم الملاحي(ت 619 هـ) وهو تلميذ السهيلي قال في معرض التعريف به في تاريخه:” أقصاه المنصور وأبعده لسقطة سقطها وهي أنه ألف كتابا في المنصور الموحدي- من ذرية عبد المؤمن بن علي- وجعله من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه أكد معجزات”.
وهـذه مسألة غير بريئة وتحتاج إلـى مزيـد مـن البحث لأن وراءه قامت فيما يبدو ومؤامرة مدبرة مـن طلبة الموحدين وإلاَّ كيف يكون إثبـات شرف يعقوب سببـا لإقصائـه؟
قال ابن دحية:” وكان وصوله إلى الحضرة والعمر قد عسا وذبل عوده وأفل سعوده فعندما عاش مات”،أو كما قال القاضي عبد الوهاب ونفسه تتصعد:” لا إلـه إلا الله لما عشنا متنا”.
وكانت وفاته حسب أقدم نص في الموضوع” بحضرة مراكش يوم الخميس ودفن ظهره وهو اليوم السادس والعشرون من شعبان عام أحد وثمانين وخمسمائة”،ودفن بما كان يسمى ” جبانة الشيوخ” بحي باب الرب وضريحه يتوسط ( روضة )/ مقبرة تحمل اسمه.
يحرص المراكشيون على زيارة الأولياء ويحظى الرجال السبع بأهمية خاصة تتضح من مدى تأثيرهم في العادات والتقاليد لسكان البهجة ك: إحياء ليالي رمضان والاحتفال بالمواسم والأعياد وحفلات الزفاف والعقيقة والختان وفي التعلم وفي حالة المرض والجفاف وفي أداء الصدقات والحلف عند القبور الأولياء واحترامهم وأداء النور( الشمع ) لهم.
