عصام سبادي
ليس أخطر ما تفعله الشاشات أنها تسرق الوقت، بل أنها قد تسرق شيئاً أكثر قيمة دون أن ينتبه أحد: الحضور الإنساني. ففي الوقت الذي لم يكن فيه التواصل بين البشر أسهل مما هو عليه اليوم، تتزايد المؤشرات على أن كثيرين باتوا يشعرون بوحدة أكبر، رغم أنهم محاطون بآلاف “الأصدقاء” والمتابعين على المنصات الرقمية. داخل البيوت، في المقاهي، في وسائل النقل، وحتى في اللقاءات العائلية، يتكرر المشهد نفسه؛ أجساد تجلس في المكان ذاته، لكن العقول والأنظار معلقة بشاشات صغيرة. فهل نحن أمام ثورة تكنولوجية عززت التواصل، أم أمام تحول اجتماعي يعيد تعريف معنى العلاقات الإنسانية؟ وأين ينتهي الاستخدام الطبيعي، وأين يبدأ ما يصفه مختصون بـ”الاستخدام المفرط” أو “إدمان الشاشات”؟
أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، وساهمت في تسهيل العمل والتعلم والوصول إلى المعرفة والتواصل عبر الحدود. غير أن هذا التحول الرقمي فتح، في المقابل، نقاشاً متزايداً حول الكلفة الاجتماعية والنفسية للاستخدام المكثف للشاشات. ويشير مختصون في علم النفس والعلوم السلوكية إلى أن العديد من التطبيقات تُصمم وفق آليات تهدف إلى إبقاء المستخدم متفاعلاً لأطول فترة ممكنة، عبر الإشعارات المستمرة والمحتوى المتجدد والتوصيات الشخصية، في إطار ما يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه”. ورغم أن هذه الآليات ليست مشكلة في حد ذاتها، فإن الإفراط في التفاعل معها قد يؤدي، لدى بعض المستخدمين، إلى تراجع الوقت المخصص للعلاقات المباشرة والأنشطة الواقعية.
ولا تقتصر آثار هذه الظاهرة على الفرد وحده، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع. فهناك من يلاحظ تراجع مساحات الحوار داخل المنازل، وتحول بعض اللقاءات العائلية إلى تجمعات صامتة تسيطر عليها الشاشات، فيما يناقش مختصون العلاقة المحتملة بين الاستخدام المفرط للأجهزة الرقمية وبعض المشكلات المرتبطة بالتركيز، وجودة النوم، والشعور بالقلق أو العزلة لدى بعض الفئات، خاصة الأطفال والمراهقين. وفي المقابل، يحذر آخرون من التسرع في تحميل التكنولوجيا وحدها المسؤولية، معتبرين أن طبيعة الاستخدام والبيئة الأسرية والثقافة الرقمية عوامل لا تقل أهمية عن التكنولوجيا نفسها.
ورغم هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن التكنولوجيا أحدثت تحولاً إيجابياً في مجالات عديدة، إذ قربت المسافات، ووفرت فرصاً للتعليم والعمل، وساعدت على بناء مجتمعات معرفية عابرة للحدود. لذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يدور حول رفض التكنولوجيا أو تمجيدها، بل حول كيفية استخدامها بشكل متوازن يحافظ على الإنسان في قلب المعادلة. فالمطلوب ليس إطفاء الشاشات، وإنما منعها من إطفاء الحوار، والاهتمام، والروابط الإنسانية التي لا يمكن لأي تطبيق، مهما بلغت قدراته، أن يحل محلها.
ويبقى السؤال مفتوحاً: إذا كان العالم الرقمي قد نجح في اختصار المسافات بين القارات، فهل نجح أيضاً في تقليص المسافة بين أفراد الأسرة الواحدة؟ أم أن الاتصال الدائم بالإنترنت يخفي، في بعض الحالات، انقطاعاً متزايداً عن الواقع؟ الإجابة ليست واحدة لدى الجميع، لكنها تفرض نقاشاً مجتمعياً هادئاً ومسؤولاً حول كيفية بناء ثقافة رقمية تجعل التكنولوجيا وسيلة لتحسين جودة الحياة، لا سبباً في اتساع دوائر العزلة داخل مجتمع يبدو متصلاً أكثر من أي وقت مضى، لكنه قد يكون، في بعض جوانبه، أقل تواصلاً مما نتصور.
