سيدي اسباعي
تشهد الخريطة السياسية بالأقاليم الجنوبية للمملكة تحولات متسارعة أثارت نقاشا واسعا داخل الأوساط الحزبية والمتابعين للمشهد الوطني، خاصة بعد التحركات المتلاحقة التي قادها حزب الأصالة والمعاصرة لاستقطاب شخصيات وقيادات محلية ذات وزن انتخابي ومجتمعي ثقيل في الصحراء.
وتستمد هذه الدينامية أهميتها من كونها لا تقتصر على مجرد انتقالات فردية بين الهيئات الحزبية، بل تعيد صياغة موازين القوى في مناطق يظل للبعد الرمزي والشبكات العائلية والقبلية فيها كلمة الفصل، لا سيما مع التحاق أسماء بارزة كان لها حضورها التوجيهي داخل أحزاب أخرى كحزبي الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار.
وتكشف هذه الاستقطابات عن استمرار هيمنة منطق “الأعيان” والفاعلين المحليين على العملية الانتخابية بالأقاليم الجنوبية، حيث يبقى الثقل الشخصي والميداني للمرشحين حاسما في توجيه أصوات الناخبين مقارنة بالبرامج الحزبية أو الالتزامات التنظيمية.
ومن شأن هذه الحركة أن تمنح الأصالة والمعاصرة تموقعا مريحا وأسبقية ميدانية قبيل الاستحقاقات القادمة، لكنها في المقابل تفتح الباب مجدداً أمام النقاش حول ظاهرة الترحال السياسي وتأثيرها على استقرار النخب الحزبية المحلية وتداول الوجوه الجديدة.
ورغم الأثر المباشر الذي أحدثته هذه التحركات لصالح البام، إلا أن إمكانية استدراك الأمر من طرف حزبي الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار تظل قائمة وبقوة لاعتبارات ترتبط بطبيعة البيئة السياسية بالمنطقة.
فحزب الاستقلال يمتلك جذورا تنظيمية وتاريخية ممتدة ونفوذاً عريضا تشكله عائلات وقيادات وازنة تنشط في كبريات مدن الصحراء، مما يتيح له إعادة ترتيب بيته الداخلي وتعبئة قواعده البديلة لتغطية الشواغر.
وبدوره، يمتلك حزب التجمع الوطني للأحرار شبكة واسعة من الفاعلين الميدانيين ورجال الأعمال، ويُراهن على قدرته على إعادة توزيع التزكيات لضمان استمرار نفوذه الانتخابي.
إلى جانب ذلك، يمتلك الحزبان المنافسان ورقة مهمة تتمثل في إدارة قطاعات حكومية رئيسية، ما يسمح لهما باستثمار حصيلة المشاريع التنموية الكبرى التي تشهدها الأقاليم الجنوبية لتأكيد حضورهما الميداني والارتباط بالساكنة.
كما أن المنافسة الانتخابية في الصحراء تتسم بالمرونة العالية، إذ تتغير التوازنات وتتشكل التحالفات الحاسمة في اللحظات الأخيرة الممهدة للاقتراع.
وبما أن الأحزاب الثلاثة تشكل أركان الأغلبية الحكومية ذاتها، فإن هذا التنافس المحموم محليا سينتهي في المطاف إلى طاولة التوافقات والتوازنات عند تشكيل المجالس الجهوية والجماعية عقب الإعلان عن النتائج.
