سيدي اسباعي
تدخل العدالة المغربية في معترك حرج مع استمرار مقاطعة المحامين للجلسات وتزايد وتيرة محاكمة المتهمين في غياب مؤازرة دفاعهم، وهي الظاهرة التي تتجاوز حدود الخلاف المهني بين وزارة العدل والهيئات القانونية لتصطدم مباشرة بأحد أقدس أركان العدالة، “الحق في المحاكمة العادلة”.
إن شل مرفق القضاء وغياب الدفاع عن القاعات يضع المنظومة الإجرائية أمام اختبار دستوري وأخلاقي عسير، فالمحامي ليس مجرد أكسسوار بروتوكولي في الخصومة الجنائية، بل هو الضامن لردع التجاوزات وشريك أساسي في تحقيق التوازن بين سلطة الاتهام الشديدة البطش وحقوق الفرد الأعزل أمام صعوبة النصوص والمساطر القانونية المعقدة.
إن الإصرار على البت في القضايا واستمرار المداولات في غياب الدفاع، بدافع حماية النجاعة القضائية وتصريف الملفات المتراكمة، ينطوي على مخاطر بنيوية تمس روح الفصل 120 من الدستور المغربي والمواثيق الدولية التي تصون مبدأ المواجهة وتكافؤ الفرص.
فعندما يقف المتهم بمفرده أمام النياية العامة والهيئة الحاكمة، تسلب منه القدرة على إبداء الدفوع الشكلية أو إثارة بطلان المحاضر واستدعاء شهود النفي، مما يحول المحاكمة من مسار للبحث عن الحقيقة والملاءمة إلى مسطرة صماء لتطبيق العقوبة، وهذا الإخلال الصريح بتوازن القوى يهدد ببطلان الأحكام الصادرة أمام محكمة النقض مستقبلا، ويفتح الباب أمام تشكيك مجتمعي واسع في مدى مشروعية القرارات القضائية وجودتها.
علاوة على ذلك، تسهم هذه الأزمة الممتدة في تفاقم كوارث إنسانية وإدارية ملموسة، على رأسها أزمة الاعتقال الاحتياطي وتأخير البت في القضايا، حيث يجد آلاف الاحتياطيين أنفسهم رهائن تأجيلات متكررة أو أحكام متعجلة تجرد من ضمانات الدفاع، مما يرفع المنسوب داخل السجون المكتظة أصلا، ويحدث نزيفا في الثقة العامة تجاه مرفق العدالة.
إن معالجة الانسداد الحاصل لا يمكن أن تتأتى بعقد الجلسات الصورية أو الالتفاف على شرط الدفاع الذاتي، بل تقتضي إدراكا حاسما بأن سرعة صدور الأحكام لا قيمة لها إذا جاءت على حساب العدالة المنجزة.
وإن الخروج من هذا المأزق يتطلب تغليب لغة الحوار المؤسساتي العقلاني بين الجهاز التنفيذي ورجال البدلة السوداء، لكون حماية المحاكمة العادلة وحقوق المتقاضين أولوية أسمى لا تحتمل المراهنة عليها في خطوط التماس السياسية والمهنية.
