سيدي اسباعي
تضع الوثيقة الرسمية الصادرة حديثا عن “وزارة التجارة” التابعة لجبهة البوليساريو، بفرض أسعار مبيعات محددة لمواد غذائية أساسية كالسكر والحليب والشاي داخل مخيمات تندوف، المشهد الإنساني والسياسي في الحمادة أمام مواجهة جديدة مع واقع الفساد البنيوي لقيادة البوليساريو.
فهذه المواد، التي تشكل العصب الأساسي للشحنات والدعوم الإغاثية الموجهة مجانا لسكان المخيمات من قبل المنظمات الدولية والهيئات الإنسانية، أصبحت بموجب قرار تنظيمي رسمي سلعا يُلزم التجار ببيعها وضبط أثمنتها، ما يحول الإعانة المفترضة من حق إنساني مكفول للفئات المحتاجة إلى نشاط تجاري ترعاه وتقننه قيادة الجبهة.
وهذا الإجراء التنظيمي والإداري، يتجاوز حدود التجاوزات الفردية ليرقى إلى مأسسة صريحة لعمليات تحويل المساعدات الإنسانية والتجار بها، إذ يفترض في المساعدات الإغاثية أن تُوزع بالمجان وفق معايير المحاسبة والشفافية المعمول بها دوليا.
وتأتي هذه الوثيقة لتقطع مع الخطاب الرسمي للقيادة الذي ظل ينفي تقارير تحويل المساعدات، مؤكدة أن الممارسات التي كانت تتم في الخفاء أو عبر شبكات التهريب أصبحت اليوم سياسة واقعية ومؤطرة إداريا، حيث يُجبر الساكنة على دفع مقابل مالي للحصول على مواد تم التبرع بها أصلا لسد رمقهم وتخفيف المعاناة.
وعلى المستوى الحقوقي، يعيد هذا القرار إحياء وتحيين التقارير الدولية والأممية السابقة، وعلى رأسها تقارير المكتب الأوروبي لمكافحة الغش (OLAF)، والتي طالما حذرت من آليات تدبير الإعانة الإنسانية في مخيمات تندوف ومنع إحصاء الساكنة دقيقاً.
إن تحويل المواد الإغاثية إلى السوق التجاري المنظم يحرم الفئات الأكثر هشاشة من أبسط حقوقها، ويضع المنظمات المانحة أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية لمراجعة قنوات التوزيع والرقابة، خصوصا وأن التقنين الصريح لبيع المساعدات يعزز الأطروحة القائلة بأن معاناة الساكنة يتم استثمارها ماديا لتغذية اقتصاد الريع الخاص بالقيادة وتنويع منابع تمويلها على حساب المبادئ الأساسية للعمل الإنساني.
