جاء خطاب العرش لسنة 2026 مختلفا في أولوياته ورسائله، إذ غابت عنه الملفات السياسية التقليدية التي كانت تتصدر خطابات سابقة، وعلى رأسها قضية الصحراء والعلاقات الخارجية، مقابل حضور طاغ للملف الاقتصادي باعتباره محور المرحلة المقبلة. ويمكن اعتبار هذا الخطاب بمثابة إعلان رسمي عن انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة عنوانها “السيادة الاقتصادية” وربط المكانة الدولية بالقوة الإنتاجية والصناعية.
أولى الرسائل السياسية الواضحة تمثلت في تأكيد أن ما تحقق من منجزات “يتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”، وهي عبارة تحمل دلالة قوية بأن المشاريع الكبرى ليست مرتبطة بحكومة معينة أو أغلبية سياسية، وإنما تدخل ضمن رؤية استراتيجية للدولة. كما أن الحديث عن انتظار حكومة جديدة بعد الانتخابات التشريعية المقبلة لإطلاق “دورة جديدة” يحمل إشارة إلى أن الاستحقاقات المقبلة ستكون محطة لتجديد النخب السياسية دون تغيير التوجهات الكبرى للدولة.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه أيضا أن الخطاب أعاد ترتيب مفهوم السيادة، فلم يعد يقتصر على البعد الأمني أو الترابي، بل توسع ليشمل السيادة الصناعية والغذائية والطاقية والتكنولوجية والدفاعية. فالحديث عن صناعة الطائرات، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، يعكس توجها نحو بناء اقتصاد أقل ارتباطا بالتقلبات الخارجية وأكثر قدرة على المنافسة الإقليمية والدولية.
وفي الجانب الأمني، اعتبر الخطاب أن الأمن والاستقرار هما رأس المال الحقيقي للمغرب، وربط بينهما وبين القدرة على جذب الاستثمارات وتنظيم التظاهرات الدولية. كما جاء التنويه بمختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارة الترابية في سياق تثبيت فكرة أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تتحقق دون استقرار مؤسساتي وأمني.
ورغم استعراض مؤشرات النمو والإنجازات الاقتصادية، فإن الخطاب لم يتجاهل البعد الاجتماعي، حيث شدد على مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية والتنمية الترابية والعدالة المجالية، غير أنه لم يقدم إجراءات اجتماعية جديدة أو قرارات مباشرة لمعالجة ملفات مثل البطالة وغلاء المعيشة والقدرة الشرائية، وهو ما يعني أن التركيز انصب أساسا على خلق الثروة والاستثمار باعتبارهما المدخل الرئيسي لمعالجة الإشكالات الاجتماعية.
كما حمل الخطاب رسالة واضحة إلى القطاع المالي، داعيا الأبناك والمؤسسات المالية إلى توسيع تمويل المقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار، في إشارة إلى أن الدولة تنتظر من الرأسمال الوطني لعب دور أكبر في تمويل المرحلة المقبلة، بدل الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي.
ومن الناحية الدبلوماسية، كان لافتا غياب أي حديث مباشر عن قضية الصحراء أو التوترات الإقليمية، مقابل التركيز على مكانة المغرب كشريك اقتصادي موثوق وقوة إقليمية صاعدة. ويمكن قراءة هذا الاختيار باعتباره محاولة لإبراز صورة المغرب كدولة منشغلة ببناء قوتها الاقتصادية أكثر من الانخراط في السجالات السياسية.
في المجمل، يمكن وصف خطاب العرش لسنة 2026 بأنه خطاب اقتصادي بامتياز، يضع الاستثمار والإنتاج والسيادة الصناعية في صدارة الأولويات، ويؤكد استمرار الدولة في نفس الخيارات الاستراتيجية مع اقتراب الانتخابات التشريعية. أما التحدي الحقيقي، فيبقى تحويل الأرقام والمؤشرات الاقتصادية إلى أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطن، عبر توفير فرص الشغل، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز القدرة الشرائية، حتى ينعكس النمو الاقتصادي على الواقع الاجتماعي بشكل مباشر.
