حين تقود النساء ميزان العدالة… فاطمة العبدلاوي وحكيمة البحتي يرسمان ملامح مرحلة جديدة بالمحكمة الابتدائية بابن جرير

ليست كل القصص تُكتب بالحبر، فبعضها تُخطّه المسؤولية، ويصوغ فصوله الالتزام اليومي داخل مؤسسات لا تسمح بالأضواء بقدر ما تفرض هيبة الصمت. في المحكمة الابتدائية بابن جرير، لا يحتاج الزائر إلى كثير من الوقت ليدرك أن وراء أبوابها تجربة مختلفة؛ تجربة تقودها امرأتان اختارتا أن تكون لغتهما القانون، ومنهجهما الانضباط، ورسالة عملهما إحقاق الحق.

على رأس المحكمة تقف الأستاذة فاطمة العبدلاوي، رئيسة المحكمة الابتدائية، بينما تتولى الأستاذة حكيمة البحتي مسؤولية النيابة العامة بصفتها وكيلةً للملك. ليس مجرد تزامن إداري جمع بين المنصبين، بل مشهد مؤسساتي يحمل دلالات عميقة عن التحول الذي عرفته السلطة القضائية المغربية، حيث أصبحت الكفاءة والخبرة المهنية وحدهما جواز المرور إلى مواقع القرار.

لم تصل فاطمة العبدلاوي إلى رئاسة المحكمة من فراغ. وراء هذا المنصب سنوات من التدرج داخل الجسم القضائي، وتجارب راكمتها بين محاكم المملكة، قبل أن تحط الرحال بابن جرير. أولئك الذين اشتغلوا معها يتحدثون عن شخصية هادئة، تؤمن بأن هيبة القضاء تُصنع بالإنصات قبل إصدار القرار، وبالصرامة التي لا تنفصل عن احترام القانون. فهي لا تدير مؤسسة قضائية فحسب، بل تدير منظومة دقيقة تتقاطع فيها حقوق الأفراد مع واجبات الدولة، ويصبح الزمن القضائي عنصرًا من عناصر تحقيق العدالة.

وعلى الجهة الأخرى من المرفق القضائي، تتحرك حكيمة البحتي في مساحة لا تقل حساسية. فالنيابة العامة ليست مجرد جهاز لتحريك الدعوى العمومية، بل هي العين الساهرة على حماية المجتمع وسيادة القانون. ومن خلال مسارها المهني، الذي مر بمحاكم عدة، راكمت تجربة في تدبير ملفات معقدة، ولامست عن قرب قضايا تمس الأسرة والمرأة والطفل والحق العام، ما أكسبها خبرة جعلتها تتولى مسؤولية وكيلة الملك بالمحكمة الابتدائية بابن جرير.

لكن قراءة هذا المشهد من زاوية الأشخاص وحدهم تبقى ناقصة. فالقصة الحقيقية تكمن في التحول الذي عرفه القضاء المغربي خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد المرأة استثناءً داخل المؤسسة القضائية، بل أصبحت فاعلًا أساسيًا في قيادتها. واليوم، تمثل المحكمة الابتدائية بابن جرير أحد أبرز النماذج التي تجسد هذا التحول، إذ تتولى امرأتان إدارة جناحي المؤسسة: رئاسة المحكمة والنيابة العامة.

ورغم أن القضاء بطبيعته لا يصنع النجومية، فإن أثره يُقاس بما يتركه في حياة الناس. فكل حكم يصدر، وكل قرار يُتخذ، وكل حق يُعاد إلى صاحبه، هو جزء من الثقة التي يبنيها القضاء مع المجتمع. لذلك، فإن نجاح أي مسؤول قضائي لا يُقاس بعدد المناسبات التي يحضرها، بل بمدى قدرة المؤسسة التي يقودها على تحقيق العدالة في آجال معقولة، واحترام كرامة المتقاضين، وتكريس سيادة القانون.

في زمن تتسابق فيه المؤسسات إلى تحديث أدائها، تبدو المحكمة الابتدائية بابن جرير أمام رهان مزدوج: الحفاظ على استقلال القضاء، وتعزيز النجاعة القضائية. وهو رهان لا يتحقق بالشعارات، بل بالإدارة الرشيدة، وحسن تدبير الموارد، والقدرة على تحويل النصوص القانونية إلى ممارسة يومية يشعر بها المواطن عند ولوجه المحكمة.

إن تجربة فاطمة العبدلاوي وحكيمة البحتي ليست حكاية امرأتين وصلتا إلى منصبين رفيعين، بل هي مرآة لمسار دولة جعلت من الكفاءة معيارًا للمسؤولية، ومن استقلال القضاء ركيزة لبناء دولة المؤسسات. وبين هدوء قاعة الجلسات وحركية مكاتب النيابة العامة، يتشكل كل يوم مشهد قضائي عنوانه أن العدالة لا تُقاس بمن يجلس على كرسي المسؤولية، بل بما يحققه من إنصاف، وما يرسخه من ثقة، وما يتركه من أثر في وجدان المجتمع.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد