عصام سبادي
في عالم تتسارع فيه التحالفات وتتعمق فيه الانقسامات بين القوى الكبرى، تبرز بعض الرسائل الدبلوماسية باعتبارها أكثر من مجرد مجاملات بروتوكولية. وهذا ما عكسته برقية التهنئة التي بعث بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء جلالته عرش أسلافه الميامين، والتي لم تقتصر على عبارات التهاني، بل حملت إشادة صريحة بعلاقات الصداقة التي تجمع روسيا بالمغرب، مع تأكيد أن هذه العلاقات تساهم في تعزيز الأمن والاستقرار بإفريقيا والشرق الأوسط، وهي صيغة تعكس المكانة التي باتت تحتلها المملكة في الحسابات الجيوسياسية لعدد من القوى الدولية.
ويأتي هذا الموقف الروسي في سياق دولي بالغ التعقيد، تتجه فيه دول عديدة إلى الاصطفاف خلف أحد الأقطاب الكبرى، سواء الولايات المتحدة الأمريكية أو روسيا، بينما اختار المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مسارًا مختلفًا يقوم على استقلالية القرار الوطني والانفتاح المتوازن على مختلف الشركاء. فمنذ سنوات، تبنت الدبلوماسية المغربية رؤية تقوم على تنويع الشراكات دون المساس بالثوابت الاستراتيجية للمملكة، وهو ما مكن الرباط من الحفاظ على علاقات قوية مع حلفائها التقليديين، وفي الوقت ذاته تطوير تعاونها مع موسكو وبكين وقوى دولية أخرى، وفق منطق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
ولعل ما يميز السياسة الخارجية المغربية أنها لم تنخرط في منطق الاستقطاب الذي فرضته الأزمات الدولية، بل فضلت الحفاظ على قنوات الحوار مع مختلف الأطراف، انطلاقًا من قناعة مفادها أن قوة الدولة لا تقاس بعدد خصومها، وإنما بقدرتها على بناء الثقة مع الجميع. وقد انعكس هذا النهج في مواقف المغرب داخل العديد من الملفات الدولية، حيث حافظ على توازن دبلوماسي مكّنه من صون مصالحه الوطنية وتعزيز حضوره كشريك موثوق لدى مختلف القوى الفاعلة، دون الدخول في مزايدات سياسية أو تبني خطابات تصعيدية.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الإشادة التي تضمنتها برقية الرئيس بوتين باعتبارها اعترافًا بمكانة المغرب كشريك يحظى بالاحترام، وبالدور الذي تضطلع به المملكة في محيطها الإقليمي والقاري. فحين تتحدث قوة دولية بحجم روسيا عن مساهمة علاقاتها مع المغرب في دعم الأمن والاستقرار بإفريقيا والشرق الأوسط، فإن ذلك يعكس إدراكًا للدور الذي أصبحت تلعبه الرباط في ترسيخ الاستقرار، سواء عبر شراكاتها الاقتصادية، أو حضورها الإفريقي، أو سياستها القائمة على الحوار والانفتاح.
لقد رسخ صاحب الجلالة الملك محمد السادس، على امتداد أكثر من ربع قرن، مدرسة دبلوماسية تقوم على أن تنويع الشركاء لا يعني تغيير التحالفات، وأن الانفتاح على الشرق لا يكون على حساب الغرب، كما أن تعزيز العلاقات مع الغرب لا يمنع من بناء تعاون متين مع الشرق. إنها مقاربة جعلت المغرب يحتفظ بهامش واسع من الحركة، ويعزز حضوره على الساحة الدولية باعتباره دولة تتعامل مع الجميع بمنطق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن سياسة المحاور والاستقطاب، وهو ما تترجمه اليوم الرسائل الصادرة من عواصم القرار الدولي، والتي تؤكد أن المملكة أصبحت فاعلًا يحظى بالتقدير والثقة في محيط إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة.
