لم يكن حسن لطفي، الذي عرفه المغاربة باسم “حسن فوطة”، من أولئك الذين يطاردون الأضواء، بل كان يفضل أن يتركها تسقط على شخصياته. كان يؤمن أن الكاتب الحقيقي لا يقف في مقدمة المشهد، بل يختبئ خلف كلماته، يراقب الحياة وهي تتحول إلى حكاية، ويمنح الآخرين فرصة التصفيق. لذلك، ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الفن المغربي من دون ضجيج، تمامًا كما تظل الروح حاضرة في الجسد دون أن تُرى.
في مراكش، المدينة التي تحفظ وجوه ناسها كما تحفظ حجارة أسوارها لون الزمن، وُلد حسن فوطة، وهناك تشكل وعيه الأول. في أزقة المدينة العتيقة، وبين الأسواق والدروب والوجوه البسيطة، اكتشف أن الإنسان هو أعظم نص يمكن أن يُكتب، وأن الحياة اليومية، بكل ما فيها من تناقضات، تحمل من الدراما والكوميديا ما يفوق الخيال.
في سبعينيات القرن الماضي، وجد طريقه إلى مسرح الهواة بحي القصبة، حيث لم يكن المسرح ترفًا ثقافيًا، بل مدرسة لتربية الحس الإنساني، ومختبرًا لاكتشاف المجتمع. لم يتعامل مع الخشبة باعتبارها فضاءً للتمثيل فحسب، بل بوصفها مرآةً تعكس نبض الناس. هناك تعلم أن الضحكة الصادقة لا تولد من النكتة العابرة، وإنما من ملامسة الحقيقة، وأن الكوميديا ليست فنًا خفيفًا كما يظن البعض، بل أكثر الفنون قدرة على تعرية الواقع.
ومع مرور السنوات، اختار أن يغادر واجهة المسرح إلى كواليس الكتابة، حيث وجد ذاته الحقيقية. أدرك أن السيناريو ليس مجرد حوار بين شخصيات، بل هندسة للحياة، وأن الكاتب هو أول ممثل في العمل، لأنه يعيش كل شخصية قبل أن يمنحها لغيره. من هنا، بدأ اسمه يفرض حضوره في التلفزيون والسينما المغربية، وراكم أعمالًا أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية للمغاربة.
في نصوصه، لم يكن البطل خارقًا، بل إنسانًا بسيطًا يشبه الجميع؛ موظفًا يرهقه الروتين، أو جارًا يحمل هموم الحي، أو رب أسرة يصارع تفاصيل العيش. كان يلتقط شخصياته من الشارع، ثم يعيد إليها الحياة على الورق، فتخرج إلى الشاشة وكأنها لم تغادر الواقع أصلًا. لذلك شعر الجمهور دائمًا أن أعمال حسن فوطة لا تُشاهد فقط، بل تُعاش.
ارتبط اسمه بعدد من أنجح الأفلام الكوميدية المغربية، خاصة تلك التي جمعت بينه وبين الفنان عبد الله فركوس، في أعمال مثل “المكروم” و“ولد أمو” و“الماكينة” و“أولاد كنزة”. ولم تكن تلك الأعمال مجرد نجاحات جماهيرية، بل كانت دليلًا على أن الكوميديا يمكن أن تكون نقدًا اجتماعيًا رشيقًا، وأن الابتسامة قد تحمل في طياتها أسئلةً أكثر إزعاجًا من الخطب الطويلة.
وفي التلفزيون، ترك بصمته من خلال سلاسل مثل “دار الورثة” و“مول الطاكسي” و“أنا وياك” و“هنية ومبارك ومسعود”، حيث حافظ على أسلوبه القائم على احترام ذكاء المتلقي، والابتعاد عن السخرية المجانية أو التهريج المفتعل. كانت أعماله تنحاز دائمًا للإنسان البسيط، وتمنحه حق الظهور بكرامة، حتى وهو يثير الضحك.
لكن المفارقة التي صنعت فرادة حسن فوطة، أنه لم يكن يعيش من الفن وحده. فقد ظل، بعيدًا عن عدسات الكاميرا، موظفًا في قطاع الصحة بمستشفى ابن النفيس بمراكش. كان ينتقل يوميًا بين عالمين؛ عالم يداوي فيه الجسد، وآخر يحاول فيه أن يرمم الروح بالفن. وبين المهنة والإبداع، ظل وفيًا لفكرة واحدة: أن خدمة الإنسان لا تقتصر على العلاج، بل تشمل أيضًا منحه لحظة أمل، أو ابتسامة صادقة، أو حكاية تجعله يرى نفسه بصورة أجمل.
لم يكن كثير الظهور في وسائل الإعلام، ولم يصنع لنفسه هالة من الشهرة. كان يؤمن أن الكاتب الحقيقي يترك أثره في ذاكرة الناس، لا في عدد المقابلات التي يجريها أو الصور التي يلتقطها. ولهذا، عندما رحل في الثاني من يونيو سنة 2020 إثر أزمة قلبية مفاجئة، شعر الوسط الفني بأن قلمًا استثنائيًا قد انكسر، وشعر الجمهور بأن جزءًا من الضحكة المغربية فقد أحد أبرز صناعها.
غير أن الموت، وإن أسدل الستار على حياة حسن فوطة، لم يستطع أن يطوي سيرته. فما زالت شخصياته تتحرك على الشاشة، وما زالت جمله تتردد في الذاكرة، وما زالت أعماله شاهدة على أن الفن الذي يولد من الناس، ويكتب بلغتهم، ويؤمن بقضاياهم، لا يشيخ.
لقد كان حسن فوطة ابنًا وفيًا لمراكش، وصوتًا هادئًا للكوميديا المغربية، وكاتبًا أدرك أن الضحك ليس نقيض الحزن، بل طريقٌ آخر لفهم الإنسان. لذلك، لم يكن مجرد مؤلف مسرحي أو سيناريست ناجح، بل كان شاهدًا على زمن، وراويًا لذاكرة شعب، وصانعًا لابتسامات ما زالت تقاوم النسيان.
