ليس البحر وحده من يدفع أبناء هذا الوطن إلى المجازفة بحياتهم، بل هناك أيضاً خطاب يتسلل إلى عقولهم كل يوم عبر سماعات الهواتف، والفيديو كليبات، ومنصات التواصل الاجتماعي. خطاب يُقدَّم في قالب فني جذاب، لكنه في كثير من الأحيان يُجمّل فكرة “الحريك”، ويحوّل الغربة إلى حلم، واليأس إلى هوية، والتمرد على الواقع إلى بطولة في أعين آلاف القاصرين.
سنوات طويلة، امتلأت بعض أغاني الراب بقصص البؤس والهرب والتمرد على الواقع، حتى أصبحت بالنسبة إلى كثير من المراهقين أكثر من مجرد موسيقى؛ تحولت إلى ثقافة كاملة، تُغذي الإحباط وتُلمّع فكرة الرحيل، بدل أن تزرع الأمل أو تحفز على التغيير.
المفارقة الصادمة أن من يصدّر هذا الخطاب لا يعيش تفاصيله. فبينما يغامر شباب في البحر أو عند الأسلاك الحدودية، يعيش عدد من نجوم الراب حياة مريحة، يتنقلون بجوازات سفرهم بين الدول، ويحيون حفلات بأجور مرتفعة، ويعتلون منصات المهرجانات، فيما يواصل آخرون مطاردة سراب صنعته كلمات وألحان.
لا أحد ينكر أن البطالة والفقر والتهميش عوامل رئيسية في الهجرة غير النظامية، لكن هل يُعقل أن نعفي الخطاب الفني من أي مسؤولية؟ وهل يمكن التغاضي عن تأثير كلمات تتردد ملايين المرات في هواتف المراهقين، فتجعل الهروب يبدو خياراً طبيعياً، بل حلماً يستحق المجازفة؟
الفن ليس بريئاً دائماً. الكلمة قد تبني وعياً، وقد تهدمه. والأغنية قد تزرع أملاً، وقد تغذي انهزاماً. ومن يملك التأثير في ملايين الشباب، لا يمكنه التنصل من مسؤوليته الأخلاقية كلما تحولت المأساة إلى واقع.
بعد أحداث سبتة، لم يعد السؤال: من المسؤول؟ بل أصبح: من يملك الشجاعة للاعتراف بأن صناعة الوهم لا تقل خطورة عن صناعة الأزمات؟
فحرية التعبير حق لا جدال فيه، لكنها لا تعني أن نتجاهل أثر الخطاب عندما يلامس عقول القاصرين. والنقد هنا لا يستهدف الراب كفن، بل كل خطاب يحول اليأس إلى موضة، والهروب إلى حلم، والمأساة إلى “ترند”.
