بين النص القانوني وواقع المقاولات… أرقام تفتيش الشغل تعيد النقاش حول احترام حقوق الأجراء

ليست كل مخالفة ترصدها أجهزة تفتيش الشغل مجرد رقم يضاف إلى التقارير الدورية، بل هي مؤشر على حجم التحديات التي ما تزال تواجه تنزيل مقتضيات مدونة الشغل داخل عدد من المقاولات. فبين النصوص القانونية التي تضمن للأجير حقوقاً واضحة، وبين واقع التطبيق، تظل المراقبة إحدى أهم الآليات الكفيلة بقياس مدى احترام التشريع الاجتماعي. والأرقام التي كشفت عنها وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولات الصغرى والتشغيل والكفاءات بشأن حصيلة تدخلات أطر تفتيش الشغل خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 تعكس استمرار تسجيل اختلالات في ملفات ترتبط مباشرة بالأجور والحماية الاجتماعية والتصريح بالأجراء، بما يعيد إلى الواجهة أهمية الرقابة القانونية في تنظيم سوق الشغل وضمان التوازن بين حقوق الأجراء والتزامات المشغلين.

 

وفي هذا السياق، أفاد وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولات الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، بأن أطر تفتيش الشغل أنجزوا خلال الثلاثة أشهر الأولى من سنة 2026 ما مجموعه 6564 زيارة مراقبة للمؤسسات الخاضعة لمقتضيات مدونة الشغل، أسفرت عن توجيه 85 ألفاً و754 ملاحظة. وشملت هذه الملاحظات 24 ألفاً و355 حالة مرتبطة بالأجور، و2708 ملاحظات تخص احترام الحد الأدنى القانوني للأجر، و1890 ملاحظة مرتبطة بالضمان الاجتماعي، إضافة إلى ملاحظات همت انخراط المقاولات في منظومة الحماية الاجتماعية، وتسجيل الأجراء، والتصريح بأجورهم، والتأمين الإجباري عن المرض، وحوادث الشغل. كما حرر مفتشو الشغل 77 محضراً تضمن ما مجموعه 1574 مخالفة و123 جنحة، وهو ما يعكس أن تدخل جهاز التفتيش لا يقتصر على تقديم التوجيهات، بل يمتد إلى تفعيل المساطر القانونية في مواجهة المخالفات التي يتم الوقوف عليها.

 

وتزداد دلالة هذه المعطيات عند مقارنتها بحصيلة سنة 2025، التي شهدت إنجاز 25 ألفاً و750 زيارة مراقبة أسفرت عن تسجيل 335 ألفاً و651 ملاحظة، من بينها أكثر من 85 ألف ملاحظة مرتبطة بالأجر، وآلاف الملاحظات المتعلقة بالحد الأدنى للأجر، والصحة والسلامة المهنية، والحماية الاجتماعية. وتكشف هذه الأرقام أن الاختلالات المسجلة ليست حالات معزولة، بل تبرز الحاجة إلى مواصلة تكثيف المراقبة وتعزيز الامتثال للقانون داخل مختلف القطاعات الاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بالحقوق التي تمس الاستقرار المهني والاجتماعي للأجراء.

 

ومن الناحية القانونية، أكد الوزير، في جواب كتابي عن سؤال برلماني، أن مدونة الشغل أرست منظومة متكاملة لحماية الأجير، تشمل الحق في إبرام عقد الشغل، وعدم التمييز، والانتماء النقابي، والاستفادة من الأجر، والإجازة، والحماية الاجتماعية، وبيئة عمل سليمة وآمنة، إضافة إلى ممارسة الحقوق النقابية والمشاركة في الانتخابات المهنية والإضراب والمفاوضة الجماعية. كما أوضح أن مفتشي الشغل، إلى جانب الأطباء والمهندسين المكلفين بالتفتيش، يسهرون خلال زياراتهم على مراقبة مدى احترام هذه المقتضيات، مع توجيه الملاحظات والتنبيهات أو تحرير المحاضر عند معاينة المخالفات، وفقاً لما تخوله النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.

 

وتأتي هذه الحصيلة في سياق توجه حكومي يروم تعزيز الحقوق الاجتماعية داخل القطاع الخاص، من خلال تنفيذ مخرجات الحوار الاجتماعي، وعلى رأسها الرفع التدريجي للحد الأدنى القانوني للأجر في القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي، إلى جانب تشديد الاهتمام بملفات الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتأمين ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية. وبينما تؤكد هذه الإجراءات استمرار جهود تطوير الإطار القانوني والاجتماعي، فإن الأرقام المسجلة من طرف جهاز تفتيش الشغل تشير في المقابل إلى أن التحدي الحقيقي يظل رهيناً بمدى الالتزام الفعلي للمقاولات بتطبيق القانون، بما يضمن حماية الحقوق الأساسية للأجراء، ويعزز مناخاً اقتصادياً يقوم على المنافسة المشروعة واحترام التشريع الاجتماعي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد