لا يرحل الشعراء حين تتوقف قلوبهم عن النبض، بل حين تتوقف الكلمات عن إيجاد من يحملها. أما ميلود الرميقي، فقد اختار أن يترك قلبه بين دفتي قصيدة، وأن يودع صوته في حناجر الذين غنوا كلماته، قبل أن يغادر في صمت يشبه الزهاد، تاركًا وراءه فراغًا لا يملؤه إلا صدى الزجل المغربي الأصيل.
كان ابن مراكش التي لا تُنجب المبدعين فقط، بل تمنحهم مفاتيح الحكاية. سار في أزقتها القديمة، واستعار من حجارتها صلابتها، ومن أسواقها ضجيجها، ومن وجوه البسطاء صدقها، فكتب زجلًا لا يتكلف البلاغة، لأنه كان البلاغة نفسها حين تنطق بلسان الناس.
لم يكن يبحث عن الأضواء، بل عن المعنى. كان يؤمن أن الكلمة إذا خرجت من القلب استقرت في الوجدان، لذلك جاءت نصوصه مشبعة برائحة الوطن، وبوجع الإنسان، وبحلم العدالة، حتى صارت جزءًا من الذاكرة الفنية المغربية. ومع مجموعة لرصاد، لم تكن الأغنية مجرد لحن يطرب الأسماع، بل رسالة توقظ الوعي، وتحفظ للإنسان كرامته، وللفن رسالته.
كان ميلود الرميقي من أولئك الذين كتبوا لأنهم يؤمنون بالكلمة، لا لأنها تقود إلى الشهرة. عاش وفيًا للزجل، حتى بدا كأنه آخر حرّاسه، يحمل مشعله في زمن تغيرت فيه الأذواق، وتراجعت فيه مساحة الكلمة الملتزمة أمام ضجيج الاستهلاك الفني.
وربما كانت قسوة الحياة أن كثيرًا من المبدعين لا يُلتفت إليهم إلا حين يرحلون. فقد عاش الرميقي سنواته الأخيرة بعيدًا عن صخب المنابر، بينما كانت نصوصه لا تزال تسكن ذاكرة أجيال كاملة، شاهدة على مرحلة كان فيها الفن موقفًا، وكانت القصيدة ضميرًا، وكان الزجل مرآة للمجتمع.
برحيله، لا تفقد مراكش شاعرًا فحسب، بل تفقد أحد الذين حفظوا نبضها في الكلمات، وحولوا تفاصيلها اليومية إلى أدب خالد. يرحل الجسد، لكن القصائد تبقى؛ تبقى لأن أصحابها لم يكتبوها بالحبر وحده، بل كتبوها بالعمر كله.
سيغيب ميلود الرميقي عن مجالس الأصدقاء، وعن منصات الشعر، وعن الأزقة التي أحبها، لكنه سيظل حاضرًا كلما صدحت أغنية من كلماتِه، وكلما استعاد مغربي زمنًا كان فيه للكلمة وزن، وللزجل هيبة، وللفن رسالة.
رحل ميلود الرميقي… لكن الشعر لا يعرف المقابر، والكلمات الصادقة لا تُوارى تحت التراب، بل تواصل حياتها في ذاكرة وطن، وفي وجدان شعب، وفي تاريخ ثقافة أنجبت رجلًا آمن بأن الكلمة الصادقة أطول عمرًا من أصحابها.
