في كل مرة تطلق فيها السلطات المحلية والأمنية بمراكش حملة واسعة لتحرير الشوارع والساحات من المتشردين والمتسولين، يعتقد المواطن أن المدينة بدأت تستعيد نظامها وجمالها. غير أن هذا الشعور لا يدوم سوى ساعات، قبل أن يعود المشهد إلى ما كان عليه، وكأن شيئًا لم يحدث. هنا يبرز السؤال الذي لم يعد ممكناً الهروب منه: من يفرغ هذه الحملات من مضمونها؟
لا أحد يجادل في أن السلطات المحلية والأجهزة الأمنية تقوم بواجبها، بل تبذل مجهودات كبيرة في تنظيم حملات متواصلة لإخلاء الفضاءات العمومية من مظاهر التشرد والتسول. لكن ماذا بعد؟ هل يكفي نقل الأشخاص من الشارع إلى مؤسسة للإيواء أو إلى مستشفى، ثم إطلاق سراحهم بعد وقت وجيز ليعودوا إلى المكان نفسه؟ إذا كانت النتيجة معروفة سلفًا، فما الجدوى من تكرار السيناريو نفسه؟
المفارقة الصادمة أن المتشرد الذي يتم نقله إلى دار البر والإحسان، أو إلى مستشفى ابن نفيس للأمراض النفسية والعقلية، سرعان ما يجد نفسه خارج أسوار المؤسستين، ليعود إلى احتلال الأرصفة والحدائق ومحيط المؤسسات السياحية. وكأن الدولة تقول بلسان الحال: “أبعدناه لساعات… والباقي ليس شأننا”.
إن المسؤولية هنا لا يمكن أن تُلقى على عاتق السلطة المحلية أو الأمن وحدهما، لأنهما يؤديان دورًا يدخل ضمن اختصاصاتهما. أما الحلقة المفقودة فهي المؤسسات الاجتماعية والصحية المكلفة بالتكفل الحقيقي بهذه الفئات. فإذا كانت مؤسسات الإيواء عاجزة عن الاحتفاظ بالحالات التي تحتاج إلى رعاية، وإذا كانت المستشفيات النفسية تكتفي باستقبال المرضى ثم إعادتهم إلى الشارع دون برنامج علاجي وإعادة إدماج، فإننا أمام فشل مؤسساتي لا يمكن تغطيته بحملات موسمية.
الأخطر من ذلك أن هذا العبث يستهلك موارد الدولة ووقت رجال السلطة والأمن، الذين يجدون أنفسهم يعتقلون الشخص نفسه مرات متكررة، ويعيدونه إلى المؤسسات نفسها، ثم يعود مجددًا إلى الشارع. إنها دائرة مغلقة تستنزف الجميع، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأول، وتبقى صورة مراكش، العاصمة السياحية للمملكة، رهينة مشاهد لا تليق بمدينة تستقبل ملايين الزوار سنويًا.
المؤلم أكثر أن بعض المتشردين يعانون اضطرابات نفسية وعقلية حقيقية، ويشكلون في بعض الحالات خطرًا على أنفسهم وعلى الآخرين. فهل يكفي أن نعيدهم إلى الشارع بعد ساعات؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا وقعت مأساة كان بالإمكان تفاديها؟ وهل أصبحت حماية الفضاء العام مسؤولية السلطة وحدها، بينما تتنصل باقي القطاعات من واجباتها القانونية والإنسانية؟
لقد آن الأوان للاعتراف بأن المقاربة الحالية فشلت. فالحملات الأمنية، مهما كانت ناجحة، لن تقضي على الظاهرة إذا لم تُواكبها سياسة اجتماعية وصحية حقيقية، قائمة على العلاج والإيواء وإعادة الإدماج والمتابعة، لا على حلول مؤقتة تنتهي بإعادة إنتاج الأزمة.
مراكش لا تحتاج إلى حملات استعراضية تتكرر كل أسبوع، بل تحتاج إلى قرار سياسي وإداري شجاع يضع حدًا لهذا العبث المؤسساتي. فلا يعقل أن تبذل السلطات جهدًا كبيرًا لإخلاء الشوارع، بينما تعيد مؤسسات أخرى الأشخاص أنفسهم إليها بعد ساعات، وكأن مؤسسات الدولة تعمل في اتجاهات متعاكسة.
إن استمرار هذا الوضع ليس مجرد خلل في التدبير، بل مؤشر على غياب التنسيق وتشتت المسؤوليات، وهو ما يفرض فتح نقاش وطني جاد حول منظومة التكفل بالمتشردين والمرضى النفسيين والمتسولين. لأن المدينة التي تنجح في إبعاد المشكلة لساعات فقط، لم تحلها… بل أجلتها إلى اليوم التالي.
