ما الذي فعله الإسلام لحماية المال العام قبل ظهور مؤسسات الرقابة؟

عصام سبادي

 

 

كلما انفجرت قضية اختلاس أو تبديد للمال العام، ارتفعت المطالب بتشديد الرقابة، وإحداث هيئات جديدة، وسن قوانين أكثر صرامة. لكن وسط هذا النقاش، يغيب سؤال قد يكون أكثر أهمية من كل تلك الحلول: ماذا لو كان الرقيب الحقيقي يسكن داخل الإنسان نفسه؟

قد تنجح الكاميرات في توثيق المخالفة، وقد تكشف لجان التفتيش بعض التجاوزات، وقد تصل ملفات الفساد إلى المحاكم، لكن كل ذلك يحدث بعد وقوع الضرر. أما الإسلام، فقد اختار طريقًا مختلفًا؛ إذ لم يبدأ ببناء مؤسسة تراقب يد الموظف، بل سعى أولًا إلى بناء ضمير يمنعه من أن تمتد يده أصلًا. إنها فلسفة تقوم على أن الأمانة ليست مجرد واجب وظيفي، بل مسؤولية دينية يُسأل عنها الإنسان قبل أن يُسأل عنها أمام أي جهة رقابية.

ولهذا لم يكن المال العام في التصور الإسلامي مالًا مجهول المالك، ولا موردًا يمكن التساهل في استغلاله، بل حقًا مشتركًا للأمة كلها. والاعتداء عليه لا يقتصر أثره على الأرقام والميزانيات، بل ينعكس على مدرسة لم تُبنَ، أو مستشفى تأخر افتتاحه، أو طريق بقي في انتظار التمويل. ولهذا جاءت النصوص الشرعية شديدة في التحذير من الغلول، ومن استغلال المنصب لتحقيق منفعة خاصة، لأن الخيانة هنا لا تصيب مؤسسة فقط، بل تمس المجتمع بأسره.

واليوم، ورغم التطور الكبير في أنظمة الرقابة ومكافحة الفساد، ما تزال كثير من الدول تكتشف قضايا اختلاس واستغلال للنفوذ، وهو ما يؤكد أن القانون، مهما بلغت قوته، لا يستطيع أن يحل محل الضمير. فالقوانين تعاقب، لكنها لا تربي، وأجهزة الرقابة تكشف المخالفات، لكنها لا تزرع الأمانة في النفوس.

وربما تكمن إحدى أهم رسائل الإسلام في هذه القضية في أنه لم يفصل بين صلاح الفرد وصلاح الدولة. فحين يكون الضمير حاضرًا، تصبح الرقابة أكثر فاعلية، ويصبح المال العام أمانة لا غنيمة، والمنصب مسؤولية لا امتيازًا. ولهذا، فإن المجتمعات لا تحارب الفساد بالقوانين وحدها، بل تبنيه أيضًا بقيم تجعل الإنسان يخشى خيانة الأمانة حتى عندما يوقن أن أحدًا لن يراه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد