عصام سبادي
قد يبدأ الأمر بمفتاح يُسلَّم وعقد يُوقَّع، وينتهي بعد سنوات بنزاع حول محل أصبحت قيمته التجارية أضعاف ما كانت عليه يوم دخوله. وبين مالك يخشى أن يفقد السيطرة على ملكه، ومستغل يضع وقته وماله لبناء مشروع وخلق قاعدة من الزبناء، تبرز إشكالية «عقد التسيير» كواحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقات التجارية؛ إذ إن اللجوء إلى هذه الصيغة قد يكون مشروعاً ومفيداً عندما يعكس حقيقة العلاقة القانونية، لكنه قد يصبح مصدر توتر عندما تختلط الحدود بين تسيير أصل تجاري قائم وبين مجرد تمكين شخص من استغلال محل مقابل مبلغ مالي. وهنا تحديداً لا ينبغي أن تكون تسمية العقد هي الفيصل، وإنما مضمونه وطبيعة النشاط وكيفية تنفيذه والالتزامات التي رتبها على كل طرف.
وتكمن أهمية التمييز في أن المشرع المغربي نظم التسيير الحر للأصل التجاري ضمن مدونة التجارة، باعتباره آلية تسمح باستغلال الأصل التجاري من طرف مسير يتولى النشاط تحت مسؤوليته، مع ترتيب مجموعة من الآثار والالتزامات القانونية والإجراءات المرتبطة بهذا النوع من العقود. وفي المقابل، يخضع كراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري والصناعي والحرفي لنظام قانوني خاص، أبرز ملامحه القانون رقم 49.16. لذلك فإن صاحب المحل الذي يريد حماية ملكه لا يحتاج إلى البحث عن تسمية بديلة للكراء، بقدر ما يحتاج إلى تحديد طبيعة العلاقة التي يريد إقامتها فعلياً، والتأكد من أن العقد يعكس تلك الحقيقة ويحترم الشروط والشكليات القانونية، لأن تغيير عنوان الوثيقة لا يغيّر بالضرورة طبيعة العلاقة إذا كانت الوقائع العملية تسير في اتجاه مختلف.
وفي الجهة الأخرى، هناك ملاك قد يلجؤون إلى التسيير الحر بدافع مفهوم ومشروع، وهو الخوف على محلاتهم واستثماراتهم؛ فبعضهم لا يرغب في الدخول في علاقة كرائية طويلة الأمد، أو يريد الاحتفاظ بأصله التجاري مع تفويض استغلاله إلى شخص آخر يتحمل مسؤولية النشاط ومخاطره. وهذا التخوف لا ينبغي التعامل معه باعتباره دليلاً على سوء النية، كما لا يجوز افتراض أن كل عقد تسيير يستهدف الانتقاص من حقوق المستغل. لكن الإشكال يطرح عندما يجد المسير نفسه، بعد سنوات من العمل والاستثمار في النشاط وتحسين مردودية المحل واستقطاب الزبناء، أمام رغبة في إنهاء العلاقة وإعادة استغلال المشروع من طرف المالك أو منحه للغير؛ وهنا يبرز السؤال المشروع: هل كانت العلاقة منذ البداية تسييراً حقيقياً لأصل تجاري، أم أن طبيعتها كانت أقرب إلى مجرد استغلال للمحل؟ سؤال لا يمكن الإجابة عنه بالانطباعات، وإنما بالرجوع إلى العقد والوثائق والوقائع وكيفية تنفيذ الاتفاق.
والأخطر في هذا النوع من العلاقات أن الخطأ قد لا يظهر يوم توقيع العقد، وإنما بعد أن تتغير القيمة الاقتصادية للمحل. فقد يدخل المستغل إلى مكان عادي، وينفق من ماله ووقته، ويطور النشاط، ويبني سمعة تجارية ويستقطب الزبناء، فيصبح المشروع بعد سنوات أكثر قيمة وجاذبية مما كان عليه في البداية. وفي المقابل قد يرى المالك أن ملكه أصبح أكثر قيمة وأن الوقت حان لاسترجاع استغلاله. وبين وجهتي النظر يمكن أن ينشأ نزاع حقيقي، خصوصاً إذا كان العقد غامضاً أو لم يحدد بدقة طبيعة الأصل التجاري، ومسؤوليات الأطراف، ومدة العلاقة، والمقابل، وشروط انتهائها وآثار ذلك على النشاط. لذلك فإن حماية الطرفين لا تبدأ عند أبواب المحكمة، وإنما تبدأ لحظة تحرير العقد، من خلال وثيقة واضحة تعكس حقيقة العلاقة وتحدد حقوق والتزامات كل طرف دون ترك مساحات واسعة للتأويل.
وفي النهاية، فإن المعادلة الأكثر أماناً ليست في البحث عن «عقد يحمي المالك وحده» ولا عن صيغة تمنح المستغل ضمانات غير منصوص عليها، وإنما في اختيار الإطار القانوني الصحيح الذي يتطابق مع الواقع. فإذا كان الأمر يتعلق بتسيير حر لأصل تجاري، فينبغي أن يتم ذلك وفق مقتضياته القانونية وشكلياته وآثاره؛ وإذا كان الأمر يتعلق بكراء محل تجاري، فلا ينبغي تغليفه بتسمية مختلفة لمجرد تفادي آثار نظام قانوني آخر. فالمحل التجاري ليس مجرد أربعة جدران، بل قد يتحول مع مرور الزمن إلى قيمة اقتصادية وسمعة وزبناء واستثمار، ولذلك فإن أي علاقة تقوم بشأنه تحتاج إلى وضوح منذ البداية. وبكلمة واحدة: العقد الذي يحمي الجميع ليس العقد الذي يخفي طبيعة العلاقة، وإنما العقد الذي يقول بوضوح ما هي هذه العلاقة ويُطبق كما كُتبت وكما أرادها القانون.
