عصام سبادي
لم تعد سيارة الأجرة مجرد وسيلة تنقل من نقطة إلى أخرى؛ ففي زمن الهاتف والكاميرا، أصبح كل خلاف داخلها أو بجانبها قابلاً للتحول خلال دقائق إلى قضية رأي عام. مقاطع قصيرة، مشاهد متوترة، كلمات غاضبة ومواقف يصعب فهم سياقها كاملاً، لكنها تنتشر بسرعة البرق وتترك خلفها سؤالاً أكبر من الواقعة نفسها: ماذا يحدث فعلاً في العلاقة بين المواطن وبعض سائقي سيارات الأجرة؟ لا يتعلق الأمر بإدانة مهنة بأكملها، ولا بوضع جميع المهنيين في سلة واحدة، وإنما بظاهرة تستحق التوقف عندها، خصوصاً عندما تتكرر المشاهد المتداولة وتتحول كل واقعة إلى شرارة تشعل سجالاً جديداً حول كرامة المواطن، ظروف السائق، وحدود العلاقة بين الطرفين.
المسألة، في جوهرها، أكثر تعقيداً من مجرد مقطع مصور. فسيارة الأجرة توجد يومياً في نقطة تماس مباشرة مع المواطن، وأي اختلاف حول الوجهة أو التسعيرة أو طريقة التعامل أو ظروف الرحلة يمكن أن يتطور، في لحظة توتر، إلى مشادة يتسابق طرفاها لاحقاً إلى رواية قصتهما. لكن الخطير يبدأ عندما يُقتطع جزء من الواقعة ويُقدَّم باعتباره الحقيقة الكاملة، ثم تتحول منصات التواصل إلى فضاء لإصدار الأحكام وتوزيع المسؤوليات دون معرفة ما سبق المشهد أو ما تلاه. وفي المقابل، فإن التذرع باحتمال سوء الفهم لا ينبغي أن يصبح ذريعة لتجاهل أي سلوك غير مهني متى ثبتت وقائعه عبر الجهات المختصة. المطلوب هو حماية حق المواطن في معاملة محترمة، وفي الوقت نفسه حماية السائق من التعميم أو الاعتداء أو الاتهامات التي لا تستند إلى دليل.
وكلما انتشر مقطع جديد، سرعان ما يدخل طرف ثالث إلى قلب المعركة: أصحاب تطبيقات النقل. وهنا يتحول النقاش من خلاف بين مواطن وسائق إلى مواجهة أوسع بين أنصار سيارات الأجرة وأنصار التطبيقات، وكأن كل واقعة تمنح طرفاً جديداً فرصة للهجوم على الطرف الآخر. غير أن اختزال القضية في شعار «الطاكسي أم التطبيق؟» لا يقدم جواباً حقيقياً؛ لأن جوهر الإشكال يرتبط بتنظيم قطاع النقل، وضمان حقوق المستهلك، وتحديد شروط ممارسة النشاط، وحماية المهنيين، وضمان احترام القواعد القانونية والتنظيمية من جميع المتدخلين. المواطن لا يعنيه كثيراً من ينتصر في هذا السجال بقدر ما يريد وسيلة نقل متاحة، واضحة الشروط، تحترم كرامته وتوفر له الأمان والشفافية، بينما يحتاج المهني بدوره إلى بيئة عمل واضحة تحميه من المنافسة غير المنظمة وتحفظ له حقوقه.
وفي النهاية، فإن الخطر الأكبر ليس في وجود خلافات فردية، فهي قد تقع في أي مهنة وفي أي مجال، وإنما في أن تتحول تلك الوقائع إلى أزمة ثقة جماعية. فالفيديو قد يكشف واقعة تستحق التحقيق، لكنه لا يكفي وحده دائماً لبناء حكم نهائي على طرف أو مهنة بأكملها. وبالمقابل، فإن تجاهل الرسائل التي تحملها هذه المقاطع لن يؤدي إلا إلى اتساع الفجوة بين المواطن وبعض المهنيين. لذلك، فإن الحل لا يكمن في حرب إلكترونية بين «الطاكسي» و«التطبيق»، ولا في شيطنة طرف أو تبرئة طرف آخر، وإنما في قواعد واضحة، وآليات فعالة للشكايات، وتدخل مهني وقانوني عند وقوع المخالفات، مع الاحتفاظ لكل طرف بحقه في الدفاع عن نفسه. فالمواطن يريد خدمة تحترم كرامته، والسائق يريد ممارسة مهنته في ظروف تحفظ حقوقه، والقطاع بأكمله يحتاج إلى تنظيم يضع حداً للمنطقة الرمادية التي تجعل كل فيديو جديد شرارة لمعركة جديدة.
