عصام سبادي
من يهرب من مراكش وغيرها من المدن المشتعلة تحت لهيب الصيف، ويشد الرحال نحو أوريكا بحثاً عن نسمة رطبة، ومياه الوادي، ويوم عائلي بعيداً عن الحرارة الخانقة، قد يجد نفسه، وفق شكايات مواطنين ومقاطع فيديو متداولة، أمام حرارة من نوع آخر: حرارة الأسعار! فخلال ذروة الموسم، تتعالى أصوات زوار يتحدثون عن أسعار يعتبرونها مرتفعة، فيما تطرح شكايات أخرى قضية أكثر إثارة للجدل، تتعلق بمبالغ يُقال إنها تُطلب حتى من أشخاص جاؤوا بطعامهم جاهزاً من منازلهم، واختاروا فقط الجلوس قرب الوادي. وهنا ينفجر السؤال: هل أصبحت النزهة في أوريكا تبدأ بتذكرة غير معلنة؟
الموضوع لا يقف عند ثمن وجبة أو مشروب، لأن المواطن الذي يحمل طعامه من المنزل يفترض أنه اختار أصلاً تقليص مصاريفه، قبل أن يجد نفسه، وفق ما يرويه بعض المتحدثين في مقاطع متداولة، أمام طلب أداء بدعوى أن المكان يدخل ضمن ملكية أو استغلال خاص. ولا يمكن اعتبار هذه الروايات وحدها دليلاً على وجود مخالفة، لكن انتشارها يفرض أسئلة لا يمكن تجاهلها: ما طبيعة هذه الفضاءات؟ من يستغلها؟ وهل الأداء مقابل خدمة محددة أم مقابل مجرد الجلوس؟ وهل يتم إخبار الزائر مسبقاً بأي مبلغ مطلوب؟ أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تصبح ضرورية عندما يشعر مواطن بأنه دفع مقابل شيء لم يكن يتوقع أصلاً أن يكون مؤدى عنه.
وفي أحد المقاطع المتداولة، يقدّم أحد المتحدثين تفسيراً لارتفاع الأسعار خلال هذه الفترة، بالقول إن السياحة تكون ضعيفة خلال فترات طويلة من السنة، قبل أن تنتعش بقوة في الصيف، وبالتالي فإن بعض المهنيين يستغلون فترة الذروة لتعويض ضعف باقي الموسم. وقد يكون منطق العرض والطلب حاضراً في تحديد أسعار بعض الخدمات، لكن ذلك لا يمنح المستهلك شيكاً على بياض؛ فارتفاع الطلب لا يلغي ضرورة وضوح السعر وطبيعة الخدمة، كما أن أي مقابل مالي إضافي يحتاج إلى أن يكون مفهوماً للزائر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفضاءات يُقال إنها تستقبل مواطنين جاءوا لقضاء يوم في الطبيعة لا لشراء خدمة سياحية متكاملة.
أوريكا اليوم أمام معادلة دقيقة: إما أن تكون الأسعار والخدمات والمقابلات المالية واضحة ومعلنة، فيعرف المواطن منذ البداية ما الذي سيدفعه ولماذا؛ وإما أن تستمر الأسئلة في التناسل، لتتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى محكمة مفتوحة تتضارب فيها الروايات. المطلوب ليس اتهام جميع المهنيين ولا التشكيك في قانونية استغلال الملكيات الخاصة، وإنما تحقق ميداني وتوضيح من الجهات المختصة، بما يحمي المواطن ويحمي في الوقت نفسه المهنيين الملتزمين بالقانون. فأوريكا اكتسبت شهرتها كملاذ صيفي يهرب إليه الناس من حرارة المدن، وليس من المنطقي أن تصبح صورتها لدى الزائر مرتبطة بسؤال آخر أكثر إزعاجاً: «كم سأدفع قبل أن أجد مكاناً أجلس فيه؟»
