عصام سبادي
ليست المشكلة في سيارة أجرة رفضت رحلة، ولا في سائق اختلف مع زبون حول الوجهة، بل في سؤال أكبر يفرض نفسه كلما تكررت شكايات من هذا النوع: من يحدد مسار الرحلة، الراكب أم السائق؟ فسيارة الأجرة ليست مجرد وسيلة لنقل الأشخاص من نقطة إلى أخرى، وإنما خدمة عمومية يؤديها مهنيون يفترض أن تقوم علاقتها بالمواطن على الوضوح والاحترام والالتزام بقواعد المهنة. ومع ذلك، تتداول بين المواطنين روايات عن حالات يُطلب فيها من الراكب تغيير وجهته، أو النزول قبل الوصول، أو قبول مسار آخر بدعوى الازدحام أو طول المسافة أو عدم ملاءمة الرحلة للسائق. ولا يمكن، بطبيعة الحال، تعميم هذه الملاحظات على جميع المهنيين، لأن عدداً كبيراً من سائقي سيارات الأجرة يشتغلون في ظروف صعبة ويقدمون خدمات محترمة للزبائن، لكن تكرار الشكايات، متى ثبتت وقائعها، يستحق أن يتحول من مجرد نقاش عابر إلى سؤال حول جودة الخدمة وثقة المواطن فيها.
وفي المقابل، فإن الصورة لا تكتمل من زاوية الراكب وحده؛ فالسائق بدوره يواجه يومياً ضغط الازدحام، وارتفاع تكاليف الوقود والصيانة، وطول ساعات العمل، والمنافسة المتزايدة، فضلاً عن رحلات قد تكون مرهقة أو قليلة المردودية. وقد تكون بعض حالات رفض الرحلة أو طلب تغيير الوجهة مرتبطة بظروف مهنية أو مرورية حقيقية، وليس بالضرورة برغبة في التضييق على الزبون. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الاعتبارات إلى قاعدة غير معلنة تجعل المواطن مضطراً إلى التفاوض على حقه في الوصول إلى وجهته، أو البحث عن سائق آخر يقبل الرحلة. فالمواطن عندما يستوقف سيارة أجرة، لا يفترض أن يدخل في مساومة حول الوجهة، كما أن السائق ليس مجرد منفذ آلي لرغبة الزبون دون اعتبار لظروف العمل والقواعد المنظمة للمهنة. المطلوب إذن هو التمييز بين الحالات التي تبررها ظروف موضوعية، وبين ممارسات قد تسيء إلى صورة القطاع إذا أصبحت متكررة.
ومن هنا تظهر مسؤولية التنظيم والمراقبة، لأن معالجة الإشكال لا ينبغي أن تبقى رهينة مقاطع فيديو متداولة أو شكايات متفرقة على منصات التواصل الاجتماعي. فإذا كانت هناك قواعد واضحة تحدد حقوق الراكب والتزامات السائق، فإن المطلوب هو أن تكون هذه القواعد معروفة وقابلة للفهم والتطبيق، وأن تتوفر للمواطن قنوات واضحة لتقديم الشكايات، وللمهنيين بدورهم وسائل للدفاع عن حقوقهم عندما يشعرون بوجود تجاوز أو سوء فهم. كما أن استعمال الهاتف أثناء النزاع أو نشر تسجيلات مجتزأة على مواقع التواصل لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن المساطر القانونية والمؤسساتية، لأن مقطعاً قصيراً قد لا يعكس دائماً كامل سياق الواقعة. وفي الاتجاه نفسه، فإن أي نقاش جدي حول سيارات الأجرة يجب أن يضع في الحسبان واقع المهنة وتكاليفها وظروف السائقين، إلى جانب حق المواطن في خدمة محترمة وآمنة ومنظمة.
المعادلة في النهاية ليست «السائق ضد الراكب» ولا «الراكب ضد السائق»، لأن الطرفين جزء من منظومة نقل واحدة، وأي خلل في العلاقة بينهما ينعكس مباشرة على صورة الخدمة وثقة المواطن فيها. المطلوب ليس شيطنة المهنيين ولا منح الزبون دائماً صك البراءة، وإنما وضع حد لمنطق المواجهة اليومية عبر قواعد واضحة، واحترام متبادل، وآليات فعالة لمعالجة الشكايات، وتوعية بحقوق وواجبات كل طرف. فالسائق يحتاج إلى ظروف مهنية تحميه وتضمن له مردودية عادلة، والراكب يحتاج في المقابل إلى أن يشعر أن استئجار سيارة أجرة يعني الوصول إلى وجهته في إطار خدمة منظمة، لا الدخول في معركة لإقناع السائق بالوجهة. وعندما تصبح القاعدة واضحة للجميع، تنتهي مساحة الاجتهاد الشخصي، ويصبح احترام الخدمة مسؤولية مشتركة لا مجال فيها لا للابتزاز ولا للتعميم ولا للأحكام المسبقة.
