حين تكشف أرقام الدولة ما لا تقوله لغة الإنجازات

ليس كل تقرير رسمي مجرد وثيقة توضع على الرفوف، ولا كل رقم اقتصادي دليلا كافيا على أن المواطن يعيش بالضرورة في مغرب أفضل. أحيانا، تأتي الوثائق الصادرة عن المؤسسات الدستورية لتضع أمام الدولة والمجتمع مرآة لا تجامل أحدا، وتكشف أن المسافة بين ما تقوله المؤشرات الاقتصادية وما يعيشه الناس في حياتهم اليومية ما تزال واسعة.

التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2025 ينتمي إلى هذا النوع من الوثائق. أهميته لا تكمن فقط في الأرقام التي يتضمنها، وإنما في الأسئلة التي يفرضها على صانع القرار: ماذا يعني ارتفاع النمو إذا ظلت كلفة الحياة تثقل كاهل الأسر؟ وما قيمة الاستثمارات الكبرى إذا لم تتحول إلى فرص شغل مستقرة وتحسن ملموس في مستوى العيش؟ وأي معنى لدولة اجتماعية إذا كانت شرائح واسعة من المجتمع لا تزال تشعر بأن ثمار النمو لا تصل إليها بالقدر الكافي؟

صحيح أن الاقتصاد الوطني أظهر خلال السنة الماضية قدرة على الصمود، وسجل نموا في حدود 4.9 في المائة، مقابل 4.4 في المائة سنة 2024، كما تراجعت وتيرة التضخم إلى مستويات محدودة. لكن الاحتفال بتباطؤ التضخم دون الانتباه إلى الأسعار التي بلغت إليها السلع والخدمات يشبه الاحتفال بانخفاض سرعة قطار لم يتوقف عن الابتعاد عن المحطة.

فانخفاض التضخم لا يعني أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه، بل يعني فقط أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ. وفي الوقت نفسه، تراكمت الزيادات في الأسعار منذ سنة 2021 بأكثر من 15 في المائة، بينما ارتفعت أسعار عدد من المواد الأساسية بشكل أكبر، الأمر الذي جعل القدرة الشرائية واحدة من أكثر القضايا إلحاحا في الحياة اليومية للمغاربة.

وهنا تحديدا تظهر المفارقة الكبرى: اقتصاد يسجل مؤشرات إيجابية في واجهته الماكرو اقتصادية، مقابل أسر تواجه واقعا مختلفا في الأسواق ومحلات البيع وفواتير الاستهلاك.

المشكلة لا تتوقف عند الأسعار. سوق الشغل بدوره يكشف عن اختلالات عميقة. فالبطالة، وخاصة في صفوف الشباب، ما تزال من أكثر الملفات استعصاء، فيما يطول انتظار الباحثين عن العمل، ويظل جزء مهم من الأجراء خارج الحماية التي يوفرها التعاقد القانوني. وفي ظل هذه الوضعية، يصبح الحديث عن النموذج الاقتصادي ناقصا إذا لم يكن سؤال جودة الشغل واستقراره في قلب النقاش.

الأخطر أن استمرار هذه الاختلالات قد يوسع دائرة الهشاشة ويضغط أكثر على الطبقة المتوسطة، وهي الفئة التي تشكل تاريخيا إحدى ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالطبقة المتوسطة ليست مجرد شريحة إحصائية، وإنما هي قوة استهلاك وإنتاج وإدارة ووسيط أساسي بين الفقر والثراء. وإضعافها يعني في نهاية المطاف إضعاف التوازن الذي تحتاجه أي دولة تريد بناء تنمية مستدامة.

لكن التقرير لا يكتفي بتشخيص الأعطاب، وهذه نقطة تستحق التوقف عندها. فهو يضع أمام المؤسسات العمومية مجموعة من المداخل العملية، تبدأ من إصلاح مسالك التوزيع وأسواق الجملة، ولا تنتهي عند محاربة المضاربة والاحتكار والريع.

وهنا يوجد أحد المفاتيح الأساسية لأزمة الأسعار. فليس من المنطقي أن يتحمل المنتج والمستهلك كلفة منظومة توزيع معقدة تتعدد فيها حلقات الوساطة، بينما تضيع المسؤولية بين المتدخلين. إصلاح هذه السلاسل لم يعد ترفا إداريا، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمواد التي تمس المائدة اليومية للمغاربة.

كما أن تعزيز المخزون الاستراتيجي للمواد الغذائية والطاقية لم يعد شأنا تقنيا محدودا. عالم اليوم أثبت أن الأزمات الجيوسياسية والمناخية والاقتصادية قادرة على قلب الأسواق في وقت قياسي، ولذلك فإن امتلاك قدرات كافية للتخزين والتنسيق والتدخل يمثل جزءا من الأمن الوطني بمفهومه الواسع.

أما سوق الشغل، فيحتاج بدوره إلى الانتقال من منطق البحث عن الأرقام إلى منطق البحث عن الجودة. لا يكفي أن يحصل المواطن على وظيفة، بل المطلوب أن تكون وظيفة تحفظ كرامته وتضمن استقراره وتوفر له الحماية القانونية والاجتماعية. كما أن استمرار الفجوة بين منظومة التكوين وحاجيات الاقتصاد يفرض إعادة النظر في طريقة إعداد الشباب لسوق العمل، حتى لا يتحول الدبلوم إلى مجرد وثيقة تضاف إلى سنوات طويلة من الانتظار.

وفي المجال الاجتماعي، تبدو الحاجة ملحة إلى جعل الدعم أكثر استهدافا وفعالية، وربط الاستثمارات الكبرى بمردودها الحقيقي على الاقتصاد الوطني والمجالات الترابية، خصوصا من حيث فرص الشغل والقيمة المضافة والإدماج المحلي.

المغرب لا تنقصه المشاريع ولا ينقصه الطموح. ما ينقصه هو التأكد باستمرار من أن ثمار هذا الطموح تصل إلى المواطن.

ذلك أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود تفاوت مؤقت بين المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وإنما في تحوله إلى واقع دائم. حينها قد يصبح المواطن غير قادر على فهم كيف يمكن لاقتصاد أن ينمو بينما يظل دخله عاجزا عن مواكبة كلفة الحياة.

وهذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي التقاطها من التقرير: لا يمكن بناء مغرب صاعد بسرعتين؛ واحدة تتحرك بها مؤشرات النمو والاستثمار، وأخرى يعيشها المواطن في السوق والعمل والبيت.

الرهان اليوم ليس فقط أن ننتج مزيدا من الثروة، وإنما أن نضمن عدالة أكبر في توزيعها. وليس المطلوب محاربة النجاح أو الاستثمار، بل التأكد من أن الاقتصاد يعمل لصالح المجتمع كله، وأن المنافسة حقيقية، وأن الريع لا يتحول إلى امتياز دائم، وأن الدعم يصل فعلا إلى من يحتاجه، وأن الاستثمار يخلق قيمة وفرصا حقيقية.

فالدولة الاجتماعية لا تقاس بعدد الشعارات التي ترفع باسمها، وإنما بقدرة المواطن على مواجهة تكاليف الحياة، وبفرص الشغل التي تفتح أمام الشباب، وبحماية الطبقة المتوسطة، وبمدى شعور المواطن بأن النمو الاقتصادي يعنيه فعلا.

في النهاية، لا يحتاج المغرب إلى أرقام أجمل فقط، بل إلى واقع أفضل.

والمعركة الحقيقية ليست بين الاقتصادي والاجتماعي، بل من أجل اقتصاد لا ينفصل عن المجتمع، وتنمية لا تترك خلفها فئات واسعة تنتظر دورها في الاستفادة من ثمارها.

ذلك هو التحدي الحقيقي أمام مغرب يريد أن يصعد، ليس فقط في جداول المؤشرات، وإنما في حياة مواطنيه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد