لم تعد المسألة بالنسبة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار مجرد معركة انتخابية عادية، ولا مجرد سباق للحصول على المرتبة الأولى في الاستحقاقات التشريعية المقبلة. فالحزب الذي صعد إلى قمة المشهد السياسي سنة 2021، وأصبح يقود الحكومة، يجد نفسه اليوم أمام سؤال أكثر قسوة من سؤال الفوز والخسارة:
هل يستطيع أن يقنع المغاربة بمنحه ولاية حكومية جديدة، أم أن سنوات السلطة بدأت تتحول من رصيد سياسي إلى عبء انتخابي؟
هذا السؤال لا يأتي من فراغ، ولا يعني أن سقوط الحزب أصبح أمراً محسوماً، لكنه يعكس منطقاً سياسياً معروفاً: الحزب الذي يصل إلى الحكم يصبح مسؤولاً عن كل شيء تقريباً في نظر المواطن، حتى عن ملفات تتجاوز أحياناً حدود اختصاصه المباشر.
وهنا تبدأ كلفة السلطة.
عندما يتحول شعار التغيير إلى امتحان يومي
دخل التجمع الوطني للأحرار انتخابات 2021 في موقع قوة، ونجح في تصدر المشهد وتشكيل الحكومة. وكان خطاب المرحلة قائماً على الكفاءة، والواقعية، والاستثمار، وإحداث فرص الشغل، وتحسين القدرة الشرائية، وتقوية الدولة الاجتماعية.
لكن السياسة لا تُقاس فقط بما يقال في البرامج الانتخابية.
السياسة تُقاس بما يشعر به المواطن عندما يدخل السوق، وبما يراه الشاب عندما يبحث عن عمل، وبما تواجهه الأسرة عندما تحتاج إلى العلاج، وبما يعيشه الموظف والعامل والحرفي والمقاول الصغير في حياته اليومية.
وهنا تحديداً تواجه الحكومة اختباراً بالغ الصعوبة.
فالمواطن قد لا يجادل في لغة الأرقام والنسب والمؤشرات الاقتصادية، لكنه يسأل سؤالاً أبسط وأكثر مباشرة:
ماذا تغير في حياتي؟
إذا لم يجد جواباً مقنعاً، فإن أفضل المؤشرات الاقتصادية قد تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها السياسية.
الأسعار والبطالة.. أخطر من خطاب المعارضة
لم تعد المعارضة وحدها هي التي تضع الملفات الاجتماعية في مواجهة الحكومة.
الشارع نفسه أصبح جزءاً من عملية التقييم.
غلاء المعيشة، البطالة، ضعف القدرة الشرائية، صعوبة الولوج إلى بعض الخدمات العمومية، وارتفاع كلفة الحياة، كلها ملفات يمكن أن تتحول إلى صندوق اقتراع عقابي إذا نجحت المعارضة في ربطها مباشرة بالمسؤولية السياسية للحكومة.
وهنا تكمن خطورة الوضع بالنسبة إلى الحزب الحاكم.
ففي المعارضة يستطيع الحزب أن يقول: «نحن نملك الحل».
أما في الحكومة، فيسأله المواطن:
إذا كنتم تملكون الحل، فلماذا لم يظهر أثره بالشكل الذي وعدتم به؟
وهذا هو الفارق بين المعارضة والسلطة.
هل بدأ «الأحرار» يفقدون ثقة المغاربة؟
ربما يكون من المبكر إعلان أن التجمع الوطني للأحرار فقد ثقة المغاربة، لأن الحكم النهائي لا تصدره مواقع التواصل الاجتماعي ولا التعليقات الرقمية ولا الحملات السياسية.
لكن من الخطأ أيضاً تجاهل مؤشرات التذمر السياسي والاجتماعي.
المشكلة لا تتعلق فقط بشعبية حزب بعينه، وإنما بمستوى الثقة في الأحزاب والسياسة عموماً.
وإذا نجح خطاب يقول إن الأحزاب أصبحت بعيدة عن المواطن، فإن الحزب الموجود في الحكومة يصبح أول من يدفع ثمن هذه الأزمة، لأنه الأكثر تعرضاً للمساءلة.
ومن هنا يمكن أن يتحول الاستياء الاجتماعي إلى رأسمال انتخابي للمعارضة.
لكن بشرط.
أن تقدم المعارضة بديلاً حقيقياً.
«حزب الباترونات».. تهمة سياسية أم صورة صنعتها المرحلة؟
من أكثر الأسئلة حساسية في النقاش حول التجمع الوطني للأحرار علاقته برجال الأعمال والقطاع الاقتصادي.
وهنا يجب أن تكون القراءة أكثر ذكاءً من مجرد ترديد الاتهامات.
وجود رجال أعمال داخل حزب سياسي ليس جريمة، ولا يعني تلقائياً وجود مصالح متضاربة. كما أن الاستثمار والقطاع الخاص ليسا عدواً للمواطن.
لكن المشكلة تبدأ عندما يشعر المواطن بأن السياسات العمومية تخدم الأقوياء أكثر مما تحمي الفئات الهشة والمتوسطة.
عندها تتشكل صورة سياسية خطيرة:
حزب قريب من عالم المال أكثر من قربه من المواطن البسيط.
حتى لو كان هذا التصور غير دقيق في كل تفاصيله، فإن السياسة لا تقوم فقط على الحقائق، وإنما أيضاً على الصور الذهنية التي تتشكل لدى الناخبين.
وهذه الصورة، إذا ترسخت، تصبح أكثر خطورة من أي حملة انتخابية مضادة.
شبح العدالة والتنمية يعود من بعيد
ربما تكون المقارنة الأكثر إزعاجاً بالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار هي المقارنة مع العدالة والتنمية.
فالحزب الذي تصدر الانتخابات وقاد الحكومة لولايتين متتاليتين، دخل انتخابات 2021 وهو يعتقد أنه ما يزال يمتلك رصيداً انتخابياً مهماً.
لكن الناخب كان له رأي آخر.
النتيجة كانت زلزالاً انتخابياً أعاد الحزب إلى حجم سياسي مختلف تماماً.
الدرس هنا ليس أن كل حزب يقود الحكومة لولايتين مصيره السقوط.
الدرس هو أن السلطة تستهلك الرصيد السياسي بسرعة مذهلة عندما تتراكم خيبات الأمل.
وهذا ما يجعل تجربة العدالة والتنمية حاضرة في ذهن كل حزب حاكم.
فهل سيكون التجمع الوطني للأحرار الاستثناء؟
أم أن التاريخ سيعيد نفسه، ولكن باسم سياسي مختلف؟
أخطر ما يمكن أن يحدث للأحرار ليس الخسارة
المفارقة أن الخطر الحقيقي على التجمع الوطني للأحرار ليس بالضرورة أن يخسر المرتبة الأولى.
الخطر الأكبر هو أن يفقد جزءاً مهماً من رصيده الانتخابي دون أن يمتلك منافسوه القوة الكافية لقيادة الحكومة.
عندها قد نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي معقد، تتداخل فيه التحالفات، وتصبح مفاوضات تشكيل الحكومة أكثر أهمية من نتائج كل حزب منفرداً.
وهذا السيناريو ليس مستبعداً في نظام انتخابي متعدد الأحزاب.
لذلك فإن معركة 2026 لن تكون فقط:
الأحرار ضد المعارضة.
بل ستكون:
الأحرار ضد كلفة خمس سنوات من الحكم.
هل يملك المنافسون بديلاً؟
وهنا نقطة غالباً ما يتم تجاهلها في الخطاب السياسي.
الغضب من الحكومة لا يعني تلقائياً التصويت للمعارضة.
فالناخب قد يكون غير راضٍ عن حزب التجمع الوطني للأحرار، لكنه في الوقت نفسه غير مقتنع بالأحزاب المنافسة.
وقد تكون هذه هي الورقة الأقوى التي يمتلكها الحزب الحاكم.
فإذا بقيت المعارضة عاجزة عن تقديم مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي واضح، وإذا انحصرت حملتها في مهاجمة الحكومة، فقد يتحول غضب المواطنين إلى امتناع عن التصويت بدلاً من انتقاله إلى صندوق المعارضة.
وهذا تحديداً قد ينقذ الحزب الحاكم من «سيناريو العدالة والتنمية».
2026.. انتخابات الثقة لا انتخابات المقاعد
المعركة المقبلة ستكون، في جوهرها، معركة على الثقة.
سيقول التجمع الوطني للأحرار:
لقد أصلحنا، واستثمرنا، وأطلقنا أوراشاً اجتماعية، وحققنا مؤشرات اقتصادية.
وستقول المعارضة:
لكن المواطن يدفع أكثر، والشباب يبحث عن العمل، والقدرة الشرائية تحت الضغط، والفوارق الاجتماعية ما تزال قائمة.
وبين الخطابين سيكون المواطن هو الحكم.
وهنا لن يكون السؤال:
من يملك الخطاب الأقوى؟
بل:
من يملك القدرة على إقناع المواطن بأن المستقبل سيكون أفضل معه؟
النهاية لم تُكتب بعد
ليس من الحكمة إعلان نهاية التجمع الوطني للأحرار قبل فتح صناديق الاقتراع.
فالحزب ما يزال يمتلك عناصر قوة كبيرة، من موقعه الحكومي إلى حضوره التنظيمي والسياسي، ومن قدرته على تقديم حصيلة إلى شبكة علاقاته وتحالفاته.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة سياسية بسيطة:
الحكم الطويل يرفع سقف التوقعات، ويضاعف حجم المسؤولية، ويجعل كل أزمة اجتماعية قابلة للتحول إلى قضية انتخابية.
ولهذا فإن انتخابات 2026 قد تكون لحظة فاصلة في تاريخ الحزب.
إما أن ينجح التجمع الوطني للأحرار في إقناع المغاربة بأن ما تحقق خلال ولايته الحكومية يستحق الاستمرار، فيؤكد حضوره في صدارة المشهد.
وإما أن يشعر الناخب بأن الوعود كانت أكبر من النتائج، وأن كلفة المعيشة والبطالة والضغوط الاجتماعية أصبحت أقوى من خطاب الحصيلة.
وعندها قد يبدأ القطار الذي أقلّ العدالة والتنمية سنة 2021 في التحرك من جديد.
لكن هذه المرة قد يحمل اسماً آخر.
التجمع الوطني للأحرار.
والسؤال الذي سيظل مفتوحاً إلى ليلة إعلان النتائج:
هل سيجدد المغاربة الثقة في «الأحرار»… أم سيكتبون نهاية مرحلة سياسية ويبحثون عن محطة جديدة؟
