هل نحن أمام دولة اجتماعية تقود السوق أم أمام سوق صحي بدأ يفرض على الدولة حدود تدخلها؟

لم يعد السؤال اليوم: هل يتوفر المغرب على مصحات ومستشفيات وأطباء؟
السؤال الأكثر قسوة وعمقاً هو: لمن أصبحت الصحة؟ ولمن أصبح العلاج؟

في بلد تتسع فيه خريطة المصحات الخاصة، وتتطور فيه الاستثمارات الطبية والتجهيزات والخدمات الصحية الخاصة، يجد المواطن البسيط نفسه أمام مفارقة مؤلمة: قطاع خاص يتوسع ويزداد حضوراً، وقطاع عمومي يعاني في كثير من الأحيان من الاكتظاظ، ضغط الموارد، طول الانتظار، وإكراهات تجعل رحلة العلاج بالنسبة إلى المواطن محدود الدخل رحلة أخرى من المعاناة.

وهنا لا يتعلق الأمر بالوقوف ضد القطاع الخاص، ولا بمهاجمة الطبيب أو المستثمر في الصحة، فوجود قطاع صحي خاص قوي يمكن أن يكون جزءاً من منظومة صحية متكاملة. لكن السؤال المشروع هو: ماذا يحدث عندما يصبح المال هو الفاصل بين من يستطيع العلاج ومن ينتظر؟

الصحة ليست سلعة عادية.

حين يشتري الإنسان هاتفاً أو سيارة أو رحلة، يستطيع تأجيل القرار أو الاستغناء عنه. أما حين يتعلق الأمر بمرض، فالمواطن لا يملك دائماً ترف الانتظار. المرض لا يسأل عن الراتب، ولا يمنح الفقير مهلة حتى يجد المال، ولا ينتظر نهاية الشهر.

ولهذا فإن الصحة، في جوهرها، ليست مجرد خدمة اقتصادية؛ إنها اختبار حقيقي لمعنى الدولة الاجتماعية.

فماذا يعني أن تقول الدولة للمواطن: أنت مواطن كامل الحقوق، ثم يجد نفسه أمام واقع يجعله يحسب كلفة التحاليل، والفحوصات، والأدوية، والاستشفاء، والعمليات الجراحية؟

ماذا يعني الحديث عن العدالة الاجتماعية إذا كان المرض قادراً على تحويل أسرة مستقرة إلى أسرة مثقلة بالديون؟

وماذا يعني الحق في الحياة إذا كان الوصول إلى العلاج الجيد مرتبطاً، في جزء منه، بالقدرة على الأداء؟

هنا بالضبط يجب أن يبدأ النقاش.

الدولة ليست شركة تأمين

الدولة لا يفترض أن تنظر إلى الصحة بمنطق الربح والخسارة فقط.

وظيفتها الأساسية أن تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، وأن تجعل المستشفى العمومي مؤسسة يثق فيها المواطن، لا مجرد مكان يلجأ إليه عندما تعجز قدرته المالية عن الوصول إلى القطاع الخاص.

المشكلة ليست في وجود المصحات الخاصة، بل في السؤال الذي يجب أن يسبق كل شيء:

هل توسع القطاع الخاص جاء موازياً لتقوية القطاع العمومي، أم أصبح في بعض المجالات بديلاً عنه؟

إن كان القطاع الخاص شريكاً للدولة في تقديم خدمة صحية ذات جودة، فذلك يمكن أن يكون مكسباً للمواطن.

أما إذا تحول الاختلال في القطاع العمومي إلى فرصة طبيعية لازدهار القطاع الخاص، فهنا ينبغي أن يتوقف النقاش طويلاً أمام المرآة.

لأن الدولة التي تترك المواطن أمام خيارين: إما أن تدفع، أو تنتظر، تكون أمام سؤال سياسي وأخلاقي قبل أن يكون سؤالاً صحياً.

من سمح للخواص بالتوغل؟

هذا السؤال لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة إلى إلغاء الاستثمار الخاص في الصحة.

بل هو سؤال عن النموذج.

من يحدد حدود تدخل الدولة وحدود تدخل السوق؟

من يراقب الأسعار؟

من يضمن جودة الخدمات؟

من يحمي المواطن من أن تتحول حاجته للعلاج إلى ورقة ضغط اقتصادية؟

ومن يضمن ألا يصبح القطاع العمومي، بفعل تراكم الاختلالات، مجرد محطة اضطرارية لمن لا يملك ثمن المصحة؟

هذه الأسئلة ليست عداءً للرأسمال، وإنما دفاع عن فكرة بسيطة: السوق يستطيع أن يبيع الخدمة، لكن الدولة مطالبة بضمان الحق.

والفرق بين الاثنين شاسع.

المواطن البسيط… إلى أين؟

هناك مواطن يستطيع أن يدخل المصحة الخاصة دون أن يهتز ميزان أسرته.

وهناك آخر قد يبيع ما يملك، أو يستدين، أو يؤجل علاجه، أو يبحث عن مساعدة الأقارب والأصدقاء.

وهناك من يقف في طوابير القطاع العمومي، لا لأنه يفضله بالضرورة، وإنما لأنه لا يملك خياراً آخر.

وهنا يصبح السؤال أكثر إيلاماً:

هل نحن أمام نظام صحي يساوي بين المواطنين، أم أمام واقع تتفاوت فيه فرص العلاج بحسب القدرة على الدفع؟

إذا كان المرض واحداً، فلماذا تختلف كلفة النجاة منه بهذا الشكل؟

وإذا كانت المواطنة واحدة، فلماذا يشعر المواطن الفقير أحياناً أن جسده أقل حظاً في الحصول على الرعاية؟

المستشفى العمومي يجب أن يستعيد هيبته

المطلوب ليس شيطنة المصحات الخاصة، وإنما إعادة الاعتبار للمرفق الصحي العمومي.

مستشفى عمومي قوي يعني طبيباً وممرضاً يعملان في ظروف لائقة، وتجهيزات حديثة، وموارد بشرية كافية، وأدوية متاحة، واستقبالاً يحفظ كرامة المريض، ومساراً علاجياً واضحاً، وحكامة تمنع الهدر والارتباك.

المواطن لا يريد خطابات عن الإصلاح بقدر ما يريد أن يدخل المستشفى وهو مطمئن إلى أنه سيُعامل باعتباره إنساناً قبل أن يكون رقماً في لائحة الانتظار.

وهذا هو جوهر الدولة الاجتماعية.

السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه

قد يكون السؤال الأكثر إزعاجاً هو:

هل أصبح تراجع جودة الخدمات العمومية، ولو جزئياً، سبباً في ازدياد قوة القطاع الخاص؟

إذا كان الجواب نعم في بعض المجالات، فالمطلوب ليس مهاجمة القطاع الخاص، بل إصلاح السبب الذي سمح بهذا الاختلال.

أما إذا كان الجواب لا، فعلى الدولة أن تشرح للمواطن بوضوح: ما هو تصورها النهائي للمنظومة الصحية؟

هل نريد صحة عمومية قوية إلى جانب قطاع خاص قوي؟

أم نريد منظومة يتوسع فيها الخاص تدريجياً بينما يبقى العمومي عاجزاً عن مواكبة الطلب؟

الفرق بين النموذجين ليس تقنياً فقط؛ إنه فرق في الفلسفة السياسية للدولة.

لأن المرض لا يعرف الطبقات

في النهاية، لا أحد يختار أن يمرض.

ولا أحد يختار أن يكون فقيراً.

ولا أحد يجب أن يشعر أن حقه في العلاج أقل قيمة لأن دخله أقل.

ولذلك فإن النقاش حول الصحة ليس نقاشاً حول المستشفيات فقط، بل حول العدالة والكرامة والمواطنة ودور الدولة نفسها.

الدولة القوية ليست تلك التي تكثر فيها المصحات الخاصة فقط، بل تلك التي يستطيع فيها المواطن، أياً كان دخله، أن يثق بأن مرضه لن يحوله إلى مشروع إفلاس، وأن المستشفى العمومي لن يكون آخر خيار لأنه الأرخص، بل خياراً محترماً لأنه مرفق عمومي جدير بالثقة.

وفي هذا السياق، أتحمل كامل مسؤوليتي في طرح هذه الأسئلة، لأنها ليست أسئلة ضد أحد، وإنما أسئلة من أجل المواطن.

فحين يصبح العلاج امتيازاً، تصبح العدالة ناقصة. وحين يصبح المال شرطاً غير معلن للوصول إلى الرعاية الجيدة، يصبح على الدولة أن تعيد النظر في موقعها الحقيقي بين المواطن والسوق.

ويبقى السؤال مفتوحاً، بل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى:

هل نحن أمام دولة اجتماعية تقود السوق، أم أمام سوق صحي بدأ يفرض على الدولة حدود تدخلها؟

هذا هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصوت مرتفع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد