ليس غريبًا في السياسة أن يغيب السياسي عن المنصة، ثم تعود كلماته لتحتل المنصة من جديد. لكن الغريب أن يحدث ذلك في لحظة سياسية دقيقة، وفي توقيت يسبق انتخابات تشريعية كبرى بأسابيع قليلة. وهذا بالضبط ما يثير الانتباه في عودة مقاطع قديمة لإلياس العماري إلى التداول على مواقع التواصل الاجتماعي، بما تحمله من تصريحات وحوارات وخطابات تعود إلى مرحلة كان فيها الرجل واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا وإثارة للجدل في المشهد السياسي المغربي.
فأين كان إلياس العماري طوال هذه السنوات؟ ولماذا تعود خطاباته الآن؟ وهل نحن أمام مجرد حنين رقمي إلى مرحلة سياسية مضت، أم أن إعادة تدوير هذا الأرشيف تحمل في طياتها رسائل تتجاوز الحنين إلى محاولة إعادة إدخال الرجل، أو على الأقل أفكاره، إلى النقاش السياسي الجديد؟
العماري لم يكن سياسيًا عابرًا في تاريخ «الأصالة والمعاصرة». فقد بلغ ذروة حضوره عندما تولى الأمانة العامة للحزب سنة 2016، بعد أن كان من أبرز وجوهه، في وقت كان فيه «البام» يخوض مواجهة سياسية مباشرة مع حزب العدالة والتنمية. كما كان في الوقت نفسه رئيسًا لجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، وهو ما جعله يجمع بين موقع حزبي وازن وموقع مؤسساتي جهوي مهم.
لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلًا. ابتعد العماري عن القيادة الحزبية، ثم غادر رئاسة الجهة، ليختفي تدريجيًا عن الواجهة السياسية المؤسساتية التي اعتاد المغاربة أن يروه من خلالها.
وهنا تكمن المفارقة.
فالرجل الذي غاب عن المشهد لم يغب من الذاكرة السياسية. بقيت حواراته وخطاباته مسجلة، وبقيت تصريحاته قابلة لإعادة القراءة كلما تغيرت الظروف السياسية. ولعل ما يحدث اليوم هو أن الجمهور لا يستعيد العماري كشخص فقط، وإنما يستعيد معه مرحلة سياسية كاملة.
مرحلة كان فيها الصراع الحزبي أكثر وضوحًا، والخطاب السياسي أكثر صدامية، وكانت أسماء مثل إلياس العماري وعبد الإله بنكيران تتصدر المشهد السياسي والإعلامي، فيما كان «البام» يقدم نفسه باعتباره أحد أهم مراكز القوة في مواجهة الإسلاميين.
اليوم، تغيرت الخريطة.
حزب العدالة والتنمية الذي قاد الحكومة خلال تلك المرحلة لم يعد في الموقع نفسه، و«الأصالة والمعاصرة» انتقل من موقع المعارضة إلى موقع المشاركة في الأغلبية الحكومية، بينما أصبح حزب التجمع الوطني للأحرار في قلب السلطة التنفيذية. ومع اقتراب انتخابات 2026، بدأ المغرب يدخل فعليًا مرحلة إعادة ترتيب الأوراق السياسية والحزبية. وقد عقدت وزارة الداخلية في يوليوز 2026 اجتماعات مع قادة ومسؤولي الأحزاب السياسية في إطار الاستعداد للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر.
في مثل هذه اللحظات، تصبح الذاكرة السياسية مادة انتخابية بامتياز.
فحين يعاد نشر تصريح قديم لسياسي اختفى من الواجهة، لا يعود السؤال فقط: «ماذا قال؟»، وإنما يصبح السؤال: «هل ما قاله آنذاك ما يزال صالحًا اليوم؟».
وهنا تبدأ قيمة أرشيف إلياس العماري.
بعض خطاباته القديمة تُستعاد اليوم وكأنها تُعرض على محك الزمن. تصريحات عن الأحزاب، والدولة، والانتخابات، والمجتمع، والمعارضة، والصراع السياسي، يعاد وضعها أمام واقع مغربي جديد. وما كان في الأمس خطابًا انتخابيًا أو موقفًا حزبيًا، يمكن أن يتحول اليوم إلى مادة للمقارنة السياسية.
إنها ليست عودة الفيديوهات فقط، بل عودة الأسئلة التي كانت وراء تلك الفيديوهات.
والأكثر إثارة أن التداول الرقمي لا يحتاج إلى إعلان رسمي من العماري حتى يصنع حوله نقاشًا سياسيًا. يكفي أن تعود صورة الرجل إلى الشاشة، حتى تبدأ التكهنات: هل يفكر في العودة؟ هل يمكن أن يخوض الانتخابات؟ هل يمكن أن يظهر من جديد داخل مشروع سياسي؟ وهل يمكن لشخصية خرجت من المؤسسات منذ سنوات أن تجد لنفسها مكانًا في مشهد سياسي تغيرت قواعده؟
لكن هنا ينبغي عدم الخلط بين عودة الاسم والعودة السياسية.
فحتى الآن، لا تكفي المقاطع المتداولة أو المنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لإثبات أن العماري قرر العودة إلى العمل الحزبي أو الترشح للانتخابات التشريعية. بل إن بعض ما يتم تداوله حول عودته بحزب جديد أو خوضه انتخابات 2026 يظل في دائرة الأخبار والتكهنات غير المؤكدة، وليس إعلانًا رسميًا يمكن التعامل معه كحقيقة سياسية.
غير أن غياب الدليل على العودة لا يلغي أهمية الظاهرة.
لأن السياسة لا تبدأ دائمًا بإعلان رسمي. أحيانًا تبدأ من سؤال يتكرر، ومن اسم يعود إلى التداول، ومن خطاب قديم يكتشف الناس فجأة أنه ما يزال قادرًا على إثارة النقاش.
وهذا ما يجعل ظاهرة «عودة العماري» جديرة بالقراءة.
فربما لا يعود الرجل، لكن خطابه يعود.
وربما لا يترشح، لكن اسمه يصبح حاضرًا في النقاش الانتخابي.
وربما لا تكون هناك أي عودة سياسية أصلًا، وإنما نحن أمام عملية إعادة اكتشاف لشخصية ارتبطت بمرحلة سياسية كان فيها النقاش أكثر حدة، وكانت الاصطفافات أكثر وضوحًا.
لكن هناك احتمالًا سياسيًا آخر لا يمكن تجاهله: أن تكون عودة مقاطع العماري جزءًا من حاجة أوسع لدى الجمهور إلى البحث عن خطاب سياسي مختلف.
ففي زمن أصبحت فيه الخطب السياسية أكثر تشابهًا، والرسائل الانتخابية أكثر احترافًا في الصياغة، يبحث جزء من الجمهور عن شخصيات تمتلك تاريخًا وخلافًا ومواقف يمكن مساءلتها. وهنا تصبح شخصية مثيرة للجدل مثل إلياس العماري قابلة لإعادة التسويق السياسي حتى من دون أن تقوم هي بذلك مباشرة.
ولعل المفارقة الكبرى أن «الأصالة والمعاصرة» الذي كان العماري أحد أبرز وجوهه في مرحلة المعارضة، أصبح اليوم داخل الأغلبية. ولذلك فإن إعادة نشر خطابات الأمس قد تحمل، بقصد أو من دونه، سؤالًا سياسيًا بالغ الحساسية:
ماذا بقي من «البام» الذي عرفه المغاربة في زمن إلياس العماري؟
وهل تغير الحزب فعلًا، أم تغير موقعه فقط؟
ثم سؤال أوسع:
هل تغير الخطاب السياسي المغربي، أم أن السياسيين تغيرت مواقعهم بينما بقيت الأسئلة نفسها؟
هذه الأسئلة تكتسب وزنًا أكبر ونحن نقترب من انتخابات 23 شتنبر 2026، التي ستكون محطة لإعادة تشكيل مجلس النواب، وربما لإعادة رسم موازين القوة بين الأحزاب. (Maroc)
ومن هذه الزاوية، يصبح إلياس العماري أكثر من مجرد اسم عائد إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
إنه مرآة لمرحلة سياسية كاملة.
مرحلة يمكن من خلالها قياس المسافة التي قطعها المغرب سياسيًا خلال عقد من الزمن، ومقارنة ما كان يقال في انتخابات 2016 بما يقال اليوم، ومساءلة الأحزاب الحالية عن الوعود والمواقف والخطابات التي تبدلت مع تبدل المواقع.
ولذلك ربما يكون السؤال الحقيقي ليس:
«هل سيعود إلياس العماري إلى السياسة؟»
بل:
«لماذا عادت السياسة المغربية إلى البحث عن إلياس العماري في أرشيفها؟»
ففي السياسة، لا تعود الشخصيات دائمًا من الباب.
أحيانًا تعود من شاشة الهاتف، من مقطع قديم، من تصريح منسي، من حوار أعيد نشره، ومن جملة قيلت قبل سنوات ثم وجدت طريقها إلى جمهور جديد.
وحين يحدث ذلك قبيل الانتخابات، يصبح الأرشيف نفسه طرفًا في النقاش.
قد لا يكون إلياس العماري قد عاد بعد.
لكن الواضح أن إلياس العماري الذي في الذاكرة السياسية المغربية بدأ يعود.
والفارق بين الاثنين هو بالضبط ما يستحق أن تراقبه الصحافة والسياسة خلال الأسابيع المقبلة.
