“محمد الصديق معنينو” آخر حراس الذاكرة الإعلامية الذي عرف هيبة الكلمة في عهد الحسن الثاني

ثمة رجال لا تُختزل سيرتهم في المناصب التي تقلدوها، ولا في عدد السنين التي قضوها أمام الكاميرا أو خلف الميكروفون، بل في الأثر الذي يتركونه داخل ذاكرة وطن بأكمله. ومن بين هؤلاء يبرز اسم محمد الصديق معنينو، أحد أبرز الوجوه التي صنعت تاريخ الإعلام العمومي المغربي، والرجل الذي لم يكن مجرد مذيع أخبار، بل شاهداً على مرحلة كاملة من تاريخ الدولة المغربية، وحارساً لذاكرتها الإعلامية والسياسية.

ينتمي معنينو إلى جيل تأسس على فكرة أن الصحافة ليست طريقاً إلى الشهرة، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. ففي زمن كانت فيه الكلمة تُراجع مرات قبل بثها، وكانت الصورة تحمل رمزية الدولة وهيبتها، تشكلت شخصية إعلامية اتسمت بالرصانة والانضباط والقدرة على التمييز بين الخبر والرأي، وبين السبق الصحفي ومتطلبات المسؤولية.

ولم يكن حضوره داخل المؤسسة الإعلامية الرسمية مجرد حضور وظيفي، بل جاء نتيجة مسار مهني طويل جعله يحظى بثقة المؤسسات الرسمية في مواكبة الأحداث والمحطات الكبرى التي عاشها المغرب. فقد كان من الإعلاميين الذين واكبوا الأنشطة الملكية عن قرب، وترددوا على القصر الملكي في إطار مهامهم المهنية، في فترة كان فيها الولوج إلى هذا الفضاء يمر عبر معايير دقيقة تقوم على الكفاءة والانضباط والسرية المهنية.

وعايش معنينو سنوات حكم المغفور له الملك الحسن الثاني، الذي كان يدرك أهمية الإعلام في بناء صورة الدولة وإدارة رسائلها إلى الداخل والخارج. لذلك كان الإعلام الرسمي جزءاً من هندسة الدولة، وكانت تغطية الأنشطة الملكية مسؤولية لا تُسند إلا إلى إعلاميين راكموا الثقة والخبرة والقدرة على التعامل مع لحظات دقيقة من تاريخ البلاد.

ومن خلال هذا القرب المهني، استطاع محمد الصديق معنينو أن يكون شاهداً على وقائع وأحداث مفصلية، لكنه اختار بعد سنوات أن ينقل تلك التجربة إلى صفحات الكتب، فكانت مذكراته ومؤلفاته بمثابة أرشيف حي لمرحلة من تاريخ المغرب، لا يروي فيها سيرة رجل، بقدر ما يوثق لسيرة وطن ومؤسسات وشخصيات صنعت أحداثه.

لقد أدرك معنينو أن الخبر ينتهي بانتهاء النشرة، أما الذاكرة فإنها لا تموت إلا إذا توقف أصحابها عن الكتابة. لذلك تحول من إعلامي ينقل الحدث إلى مؤرخ لذاكرة الإعلام المغربي، واضعاً بين أيدي الباحثين والصحافيين وثائق وشهادات أصبحت اليوم من أهم المراجع لفهم علاقة الإعلام بمؤسسات الدولة خلال العقود الماضية.

كان ذلك زمناً مختلفاً. لم يكن الصحافي يقاس بعدد المتابعين ولا بحجم التفاعل، بل بما يحمله من ثقافة ومعرفة، وبقدرته على تحري الدقة والالتزام بأخلاقيات المهنة. وكانت المؤسسة الإعلامية تصنع أسماءها بالتكوين الصارم، واحترام اللغة، والانضباط المهني، فيما كان الوصول إلى الشاشة أو الميكروفون تتويجاً لمسار طويل من الاجتهاد لا مجرد حضور عابر.

أما اليوم، فقد أعادت الثورة الرقمية تشكيل المشهد الإعلامي بصورة عميقة. فقد أتاحت التكنولوجيا فضاءات واسعة للتعبير والوصول إلى المعلومة، لكنها في المقابل فرضت تحديات جديدة، من بينها تسارع دورة الأخبار، وضغوط اقتصاد المنصات، والمنافسة على جذب الانتباه. ورغم استمرار وجود مؤسسات وصحافيين يلتزمون بالمعايير المهنية، فإن كثيرين يرون أن سرعة النشر أصبحت في بعض الحالات تتقدم على التحقق، وأن المحتوى السريع بات يزاحم العمل الصحفي المتأني.

ومن هنا، تبدو تجربة محمد الصديق معنينو أكثر من مجرد سيرة إعلامي مخضرم؛ إنها استدعاء لمرحلة كان فيها الإعلام العمومي مدرسة في التكوين والانضباط، وكان الصحافي يدخل غرفة الأخبار حاملاً مسؤولية تمثيل مؤسسة قبل أن يمثل نفسه، ويؤمن بأن الكلمة قد تبني ثقة أو تهدمها.

سيبقى محمد الصديق معنينو واحداً من أبرز حراس الذاكرة الإعلامية المغربية، لا لأن اسمه ارتبط بالقصر الملكي أو بمواكبة كبار الأحداث، وإنما لأنه فهم، منذ وقت مبكر، أن الإعلام الحقيقي لا يقاس بسرعة نقل الخبر، بل بقدرته على حفظ ذاكرة الوطن وصون الحقيقة للأجيال القادمة. وبين صخب الحاضر وهدوء الأمس، يظل اسمه شاهداً على زمن كان فيه للإعلام هيبة، وللصحافة وزن، وللكلمة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة للانتشار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد