قانون المحاماة بعد قرار المحكمة الدستورية.. ماذا بعد؟

لم يكن قرار المحكمة الدستورية الصادر في 10 غشت الجاري بشأن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حكما في جوهر النص بقدر ما كان قرارا بوقف المسطرة عند عتبتها الإجرائية. فالمحكمة لم تقل إن المشروع مطابق للدستور، كما لم تقض بعدم دستوريته، وإنما أعلنت تعذر البت في الإحالة بسبب عدم استيفائها للشروط القانونية اللازمة، وفي مقدمتها عدم إرفاق الملف بالنص النهائي الذي صادق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية.

وبذلك، فإن القرار لا يغلق ملف قانون المحاماة، بل يعيده إلى دائرة التدبير المؤسساتي، في انتظار معرفة الخطوة التي ستتخذها الجهات المعنية لتصحيح الوضعية الإجرائية. وهو ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة، ليس فقط بالنسبة إلى مستقبل مشروع القانون، وإنما أيضا بالنسبة إلى علاقة الحكومة بهيئات المحامين، التي ظلت منذ بداية المسار التشريعي في مواجهة مفتوحة مع عدد من مقتضياته.

اللافت في قرار المحكمة أن الخلاف لم يصل هذه المرة إلى مستوى فحص المواد التي يطعن فيها المهنيون، إذ لم يكن أمام القضاة الدستوريين، وفق ما ورد في القرار، النص النهائي الذي يمكن إخضاعه للرقابة. ولذلك فإن كل القراءات التي تتعامل مع القرار باعتباره انتصارا نهائيا لهذا الطرف أو ذاك تبدو سابقة لأوانها، لأن السؤال الدستوري الحقيقي ما يزال مطروحا ولم تتم الإجابة عنه.

ويعني ذلك عمليا أن مشروع القانون لم يحصل على شهادة دستورية، لكنه في الوقت نفسه لم يسقط بسبب مخالفة دستورية. وهذه المنطقة الرمادية هي التي تجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال.

أول الاحتمالات يتمثل في تصحيح الخلل الإجرائي وإعادة إحالة النص مستوفيا للوثائق والشروط المطلوبة. وفي هذه الحالة ستنتقل المواجهة من مسألة شكلية إلى صلب المشروع، حيث ستصبح المحكمة أمام مهمة تحديد مدى مطابقة مقتضيات القانون للدستور، وهو السيناريو الذي قد يعيد النقاش حول المواد التي أثارت تحفظات واسعة في أوساط المحامين.

أما الاحتمال الثاني فيتمثل في استثمار الفرصة الجديدة للعودة إلى الحوار قبل استكمال المسار. فقرار المحكمة يوفر، من الناحية السياسية، نافذة لإعادة ترتيب بعض نقاط الخلاف، خصوصا أن المشروع عرف نقاشا طويلا وتعديلات متتالية خلال مساره البرلماني. وقد سبق أن سجلت مصادر متابعة للملف أن النص يطرح قضايا مرتبطة بشروط الولوج إلى المهنة، وتنظيم الهيئات، والتأديب وآليات ممارسة المهنة.

وفي هذا السيناريو قد تكون أمام الحكومة وهيئات المحامين فرصة لإعادة النظر في بعض المقتضيات المختلف بشأنها، بما يسمح بإخراج صيغة أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين تحديث المهنة وضمان استقلاليتها وبين متطلبات تنظيم العدالة وحماية حقوق المتقاضين.

أما الاحتمال الثالث، فهو استمرار حالة الشد والجذب بين الطرفين، خصوصا إذا تمسكت الحكومة بالمشروع بصيغته الحالية، بينما اعتبرت الهيئات المهنية أن المخاوف التي عبرت عنها لم تتم معالجتها. وهذا السيناريو قد يعيد الملف إلى الواجهة الاحتجاجية، في ظل استمرار تداعيات الخلاف على سير عدد من القضايا والملفات القضائية. وقد سبق أن تمسكت جمعية هيئات المحامين بمواقف احتجاجية رغم إحالة المشروع على المحكمة الدستورية.

وهناك احتمال رابع لا يقل أهمية، ويتمثل في أن تعود المحكمة الدستورية، في حال إعادة الإحالة بصورة صحيحة، إلى فحص بعض المقتضيات وإسقاط مواد بعينها أو إبداء ملاحظات دستورية بشأنها. وفي هذه الحالة لن يكون أمام المشرع سوى إعادة ترتيب النص وفق ما ستقرره المحكمة، وهو ما قد يفتح الباب أمام تعديلات جديدة داخل البرلمان.

وهذا السيناريو تحديدا قد يكون الأكثر حساسية سياسيا، لأنه سيضع الحكومة والبرلمان وهيئات المحامين أمام اختبار جديد: هل سيتم الاكتفاء بتعديل المواد التي ستعتبر غير دستورية، أم ستتم مراجعة أوسع للنص لتجنب استمرار الخلاف؟

وفي المقابل، لا ينبغي إغفال احتمال أن يطول المسار أكثر مما كان متوقعا، خصوصا إذا تطلب الأمر تصحيح الإحالة ثم إعادة الإجراءات المرتبطة بها، قبل الوصول إلى قرار موضوعي. وقد أشارت تغطيات حديثة للملف إلى أن مستقبل النص يرتبط أيضا بالتوقيت التشريعي والسياسي وإمكانية اللجوء إلى دورة استثنائية إذا أعيدت بعض المقتضيات إلى البرلمان.

أما بالنسبة إلى المحامين، فإن قرار 10 غشت لا ينهي أسباب الخلاف التي دفعتهم إلى الاحتجاج. فهو لم يحسم في المقتضيات التي يرون أنها تمس استقلال المهنة أو تفرض قيودا غير مقبولة على ممارستها، كما أنه لم يمنح الحكومة في المقابل الضوء الأخضر الدستوري لتنفيذ المشروع.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستتحدد أساسا بناء على ثلاثة عناصر: كيفية تصحيح الإحالة، وموقف الحكومة من الحوار، ثم القرار الذي قد تتخذه المحكمة الدستورية لاحقا إذا عرض عليها النص وفق المسطرة القانونية السليمة.

وفي انتظار ذلك، يبقى الإطار القانوني الجاري به العمل هو المرجع بالنسبة إلى ممارسة المهنة، بينما يظل مشروع القانون 66.23 في وضعية انتظار استكمال مساره المؤسساتي. وبالتالي، فإن الحديث عن دخول القانون الجديد حيز التنفيذ أو إسقاطه بشكل نهائي يبقى سابقا لأوانه.

الأكيد أن قرار المحكمة الدستورية لم يضع حدا لمعركة قانون المحاماة، وإنما نقلها إلى مرحلة جديدة. فبعد أن كان السؤال هو: هل ستعتبر المحكمة مقتضيات المشروع دستورية أم غير دستورية؟ أصبح السؤال الآن: هل ستعود الإحالة إليها مستوفية للشروط، وماذا ستفعل الأطراف قبل ذلك؟

وفي جميع الأحوال، فإن الكرة باتت في ملعب المؤسسات المعنية، بينما ستظل هيئات المحامين تراقب الخطوة المقبلة، باعتبار أن أي عودة إلى المسار الدستوري ستعيد معها النقاش حول جوهر القانون، وليس فقط حول سلامة الإجراءات التي أحيل بها إلى المحكمة.

وبذلك، فإن قرار 10 غشت يمكن قراءته باعتباره تأجيلا للحسم وليس حكما بالحسم؛ فالملف لم يسقط، ولم ينتصر فيه أحد بصورة نهائية، وإنما حصل الجميع على مهلة جديدة لإعادة ترتيب الأوراق قبل أن تبدأ، إن تمت إعادة الإحالة، المعركة الدستورية الحقيقية حول مضمون قانون تنظيم مهنة المحاماة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد