المراقبة الجبائية تصل إلى الجمعيات.. هل ينتهي زمن الالتباس بين الإعفاء والالتزام الضريبي؟

لم يعد القطاع الجمعوي بمنأى عن أسئلة الحكامة والامتثال الجبائي، بعدما اتجهت مصالح المراقبة التابعة للمديرية العامة للضرائب إلى توسيع نطاق عملياتها لتشمل جمعيات يُشتبه في عدم استكمالها بعض إجراءات التسجيل والالتزامات الجبائية. ووفق المعطيات المتداولة في هذا الصدد، فإن التحرك لا يعني، في حد ذاته، افتراض وجود مخالفات ضريبية لدى جميع الجمعيات المعنية، بقدر ما يعكس توجهاً نحو التحقق من الوضعيات الجبائية وتصحيحها عند الاقتضاء. وتبرز أهمية هذه الخطوة في كون العمل الجمعوي، رغم طبيعته غير الربحية في الأصل، لا يعني بالضرورة الإعفاء من كل الالتزامات ذات الصلة بالتصريح والتسجيل والاقتطاع من المنبع، وهي نقطة يبدو أن جزءاً من الإشكال المطروح يرتبط بعدم وضوحها لدى بعض الفاعلين الجمعويين.

 

المسألة الأكثر إثارة للانتباه هنا هي الخلط بين عدم خضوع الجمعية لضريبة معينة وبين الإعفاء من مختلف الالتزامات الجبائية. فالتسجيل لدى الإدارة الضريبية والحصول على المعرف الجبائي لا يعنيان بالضرورة أن الجمعية مطالبة بأداء ضريبة على الأرباح لمجرد توفرها على هذا المعرف، وإنما يسمحان بتحديد وضعيتها القانونية والجبائية وتمكينها من الوفاء بالالتزامات التي قد تنشأ بحسب طبيعة أنشطتها ومعاملاتها. ومن هذه الزاوية، فإن توسيع المراقبة يمكن أن يُفهم أيضاً باعتباره محاولة لإرساء قدر أكبر من الوضوح والشفافية، خصوصاً بالنسبة إلى الجمعيات التي تتوفر على مستخدمين أو تتعامل مع خبراء ومؤطرين ومقدمي خدمات، إذ قد تنشأ في هذه الحالات التزامات تتعلق بالتصريح أو الاقتطاع من المنبع، وفق الشروط والضوابط التي يحددها التشريع الجبائي.

 

ولا تقف أهمية المراقبة عند حدود وجود معرف ضريبي من عدمه، بل تمتد إلى طبيعة النشاط الفعلي والوثائق المحاسبية والمالية ومدى انسجام التصريحات مع المعطيات المتوفرة لدى الجهات المعنية. وهذا الجانب يكتسي حساسية خاصة في الجمعيات التي تدبر منحاً أو دعماً أو موارد مالية متعددة، لأن معيار الشفافية لا ينبغي أن يرتبط فقط بمصدر التمويل، وإنما أيضاً بكيفية تسجيله وتدبيره وتبرير أوجه صرفه، مع ضرورة التمييز بين التمويل المشروع وبين أي مخالفة محتملة لا يمكن الجزم بها إلا بناء على افتحاص أو مسطرة قانونية مكتملة. كما أن مطابقة المعطيات بين الإدارات لا تعني تلقائياً وجود شبهة، بل يمكن أن تشكل، من منظور إداري، وسيلة للتحقق من صحة المعلومات وتحديد الوضعيات التي تحتاج إلى تسوية أو توضيح.

 

في المحصلة، تضع هذه التحركات الجمعيات أمام مرحلة جديدة عنوانها الامتثال والشفافية قبل أي شيء آخر، كما تضع الإدارة الضريبية أمام مسؤولية موازية تتمثل في ضمان وضوح المساطر وتمكين المعنيين من معرفة واجباتهم بدقة، مع احترام الضمانات القانونية والإجراءات المنظمة للمراقبة. والأهم أن التعامل مع الملف ينبغي ألا يقوم على التعميم أو على اعتبار كل جمعية غير مسجلة جبائياً في وضعية مخالفة تلقائياً، بل على دراسة كل حالة وفق طبيعة نشاطها ووضعيتها القانونية والمالية والالتزامات التي تنطبق عليها. وبين حق الإدارة في مراقبة احترام القانون وحق الجمعيات في معرفة حدود التزاماتها، تبدو الحاجة قائمة إلى تسوية الوضعيات وتصحيح الاختلالات عند ثبوتها، بدل تحويل المراقبة الجبائية إلى أحكام مسبقة أو اتهامات لا تستند إلى نهائية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد