لم تعد المسألة تتعلق ببعض المتاجر الإلكترونية التي تبيع في صمت منتجات وأدوات ذات طبيعة جنسية، وإنما بانتقال هذه التجارة إلى مرحلة أكثر علانية، بعدما أصبحت إعلاناتها تظهر بشكل متكرر على عدد من مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها المنصات التي يعتمد عليها ملايين المغاربة يومياً. والأخطر أن الأمر لا يتعلق دائماً بمنشورات عادية يمكن للمستخدم الوصول إليها بالبحث، بل بإعلانات مؤداة وممولة تدفع المتاجر مقابل نشرها وتوسيع نطاق وصولها إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين. وتكشف نماذج من هذه الإعلانات عن عروض لأدوات إلكترونية للاستعمال الجنسي، وصور وإيحاءات واضحة، وأسعار ترويجية مغرية، إلى جانب عبارات من قبيل «التوصيل السري» و«التغليف المجهول» و«الدفع عند الاستلام». بل إن بعض المتاجر لا تكتفي بعرض هذه المنتجات، وإنما تروج أيضاً لما يسمى بالمحفزات والمقويات الجنسية، بما يجعل السؤال أكبر من مجرد حرية التجارة الإلكترونية: من يسمح لهذا النوع من الإعلانات المدفوعة بالوصول إلى شاشات المغاربة بهذا الشكل؟ ومن يراقب محتواها وطريقة استهدافها والجمهور الذي تصل إليه؟
اللافت في هذه الظاهرة أن الإشهار المدفوع يختلف جذرياً عن وجود متجر على الإنترنت ينتظر أن يبحث عنه المستهلك. فالمعلن هنا يدفع للمنصة حتى تأتي بالإعلان إلى المستخدم، وهو ما يمنح هذه التجارة قدرة أكبر على الانتشار والظهور والتكرار، ويجعل الإعلان جزءاً من المحتوى اليومي الذي يمر أمام أعين المستخدمين أثناء تصفحهم العادي. وإذا كانت المنصات تعتمد تقنيات تسمح للمعلنين بتحديد الجمهور وخصائصه واهتماماته، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً بشأن طبيعة الضوابط المفروضة على الإعلانات ذات الطابع الجنسي، وكيف يتم ضمان عدم وصولها إلى القاصرين أو إلى مستخدمين لم يطلبوا أصلاً مشاهدة هذا النوع من المحتوى. فالموضوع لم يعد مجرد متجر موجود في زاوية من الإنترنت، وإنما صناعة إعلانية تدفع المال من أجل أن تصل إلى الناس، وبشكل متكرر وواسع.
ومن زاوية أخرى، تطرح هذه الإعلانات أسئلة قانونية وتجارية وصحية متشابكة. فالقانون رقم 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك ينظم الإشهار والبيع عن بعد، فيما تؤكد وزارة الصناعة والتجارة توفرها على آلية لمراقبة مواقع التجارة الإلكترونية والتحقق من مدى احترامها للمقتضيات القانونية. لكن هل تمتد هذه المراقبة فعلياً إلى الإعلانات الممولة التي تظهر على شبكات التواصل الاجتماعي؟ ومن يتحقق من هوية أصحاب هذه المتاجر، ومصدر السلع التي يعرضونها، وطريقة إدخالها إلى السوق، والبيانات التي يقدمونها للمستهلك؟ وهل كل إعلان مدفوع يخضع للمراقبة نفسها، أم أن جزءاً من هذا السوق يتحرك بعيداً عن أعين الجهات المختصة بمجرد أن يتم نشره عبر منصة رقمية خارجية؟
وتزداد خطورة الملف عندما ينتقل التسويق من الأدوات الإلكترونية إلى منتجات توصف بأنها «محفزات» أو «مقويات جنسية»، لأن المسألة هنا يمكن أن تلامس مباشرة الصحة والسلامة. فالمستهلك قد يرى إعلاناً يعده بنتائج معينة، لكنه لا يعرف بالضرورة مصدر المنتج أو مكوناته أو ما إذا كانت الادعاءات التسويقية التي ترافقه تستند إلى أي أساس. ومن هنا تبرز مسؤولية الجهات المختصة في التحقق، بحسب طبيعة كل منتج، من سلامته ومكوناته ومساره التجاري، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواد يمكن أن يكون لاستعمالها تأثير على صحة الإنسان. كما يطرح الأمر سؤالاً آخر على المنصات التي تستضيف الإعلانات: هل يتم الاكتفاء بتحصيل مقابل مالي من المعلن، أم توجد آليات للتحقق من طبيعة المنتجات التي يتم الترويج لها ومن هوية الجهات التي تقف وراءها؟
القضية في النهاية ليست دعوة إلى محاكمة الحياة الخاصة للمغاربة، ولا إلى إصدار أحكام مسبقة على كل متجر أو منتج، وإنما إلى مساءلة ظاهرة بدأت تخرج من الظل إلى العلن: إعلانات جنسية ممولة تدفع المتاجر مقابل انتشارها، وتظهر على منصات يستخدمها جمهور واسع، إلى جانب عروض لمنتجات ومحفزات تستوجب، بحسب طبيعتها، أسئلة جدية حول السلامة والمصدر والرقابة. وإذا كانت الدولة تتوفر على أجهزة لمراقبة التجارة الإلكترونية وحماية المستهلك، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف كيف تتعامل هذه الأجهزة مع هذا السوق المتنامي، ومن يراقب الإعلانات المدفوعة، ومن يتحقق من المنتجات، ومن يحمي القاصرين، ومن يراقب ادعاءات المحفزات والمقويات، ثم قبل كل ذلك: هل أصبحت المنصات الرقمية فضاءً يمكن فيه للمعلن، بمجرد دفع ثمن الإعلان، أن يضع هذا المحتوى أمام ملايين المستخدمين دون أن يواجه رقابة حقيقية؟ فالمشكلة اليوم ليست أن هذه المتاجر موجودة، وإنما أن إعلاناتها أصبحت هي التي تبحث عن المواطن وتصل إليه، بعدما كان المواطن في السابق هو الذي يبحث عنها.
