عبد القادر مطاع.. فنان أعطى الكثير للفن ولم ينصفه الفن في آخر الطريق

هناك فنانون يمرّون أمامنا على الشاشة، ثم يختفون بانتهاء المشهد، وهناك فنانون يصبحون جزءاً من ذاكرتنا، من طفولتنا، من ضحكاتنا، ومن تفاصيل أيامنا التي لا نعرف قيمتها إلا بعد أن تمضي. عبد القادر مطاع كان من هؤلاء.

لم يكن مجرد ممثل يؤدي أدواراً وينتقل من عمل إلى آخر، بل كان واحداً من أبناء جيل حمل الفن المغربي على كتفيه، ومنح المسرح والتلفزيون والسينما سنوات طويلة من عمره، وأعطى من موهبته وصوته وحضوره الكثير، حتى أصبح جزءاً من الذاكرة الفنية والإنسانية للمغاربة.

كان مطاع قريباً من الناس بطريقة يصعب تفسيرها. لم يكن يحتاج إلى كثير من الكلام حتى تترك الشخصية التي يجسدها أثراً. ملامحه، نبرته، طريقته في الأداء وحتى صمته، كلها كانت أدوات فنية جعلته واحداً من الوجوه التي لا تُنسى. وظلت شخصياته، وفي مقدمتها شخصية «الطاهر بلفرياط»، حاضرة في ذاكرة أجيال كاملة.

ذلك الجيل لم يكن يملك منصات التواصل الاجتماعي لتصنع له الشهرة في أيام، ولم يكن يحتاج إلى ملايين المشاهدات حتى يعرف الناس قيمته. كان يكفي أن يظهر عبد القادر مطاع على الشاشة، حتى يعرف المغاربة أنهم أمام فنان يمتلك شيئاً مختلفاً.

لكن للحياة وجهاً آخر لا تراه الكاميرات. مع مرور السنوات، بدأت الأضواء تخفت من حوله، وتراجعت مشاركاته، وابتعد عن المناسبات الفنية، قبل أن يشتد عليه المرض، وكان من أصعب ما عاناه فقدان البصر تدريجياً.

الرجل الذي قضى عقوداً أمام الكاميرات، والذي اعتاد أن يراه الجمهور في أدواره وشخصياته، وجد نفسه بعيداً عن المشهد. ولم تكن قسوة النهاية في المرض وحده، فالمرض قدر قد يصيب الجميع، وإنما في أن يتحول فنان أعطى عمره للفن إلى اسم لا يُستحضر إلا على فترات، بينما كان يحتاج، قبل كل شيء، إلى العناية والوفاء والاحتضان.

ورحيل عبد القادر مطاع يطرح سؤالاً مؤلماً: هل أنصفنا هذا الفنان وهو بيننا، أم أننا انتظرنا رحيله حتى نكتشف من جديد حجم ما قدمه؟

لا ينبغي أن يتحول هذا السؤال إلى اتهام لأحد، ولا أن تُبنى حول سنواته الأخيرة روايات غير موثقة، خصوصاً ما يروج بشأن إقامته في دار للمسنين، وهي مسألة تحتاج إلى شهادة واضحة من أسرته أو مصدر مباشر. لكن المؤكد أن معاناته الصحية وابتعاده عن الأضواء يفتحان نقاشاً أوسع حول الوفاء لرواد الفن المغربي.

فالفنان لا يحتاج فقط إلى التكريم بعد رحيله، ولا إلى كلمات الرثاء عندما يصبح اسمه خبراً. الفنان يحتاج إلى أن يجد من يسأل عنه عندما يضعف، ومن يقف إلى جانبه عندما تتراجع الأضواء، ومن يتذكر أن وراء الوجه الذي اعتاد الجمهور رؤيته إنساناً أفنى سنوات عمره في خدمة الفن.

ربما لم ينصف الفن عبد القادر مطاع بما يكفي في آخر الطريق، لكن الجمهور لم ينسه. يكفي أن يُذكر اسمه حتى تستيقظ في الذاكرة أصوات وشخصيات ومشاهد من زمن جميل، زمن كان فيه الفن أكثر قرباً من الناس، وكان الممثل يدخل البيوت دون استئذان ويترك فيها شيئاً من روحه.

وهذه ربما تكون أعظم جائزة يمكن أن يحصل عليها فنان: أن يغيب عن الشاشة ولا يغيب عن الذاكرة، أن تتوقف الكاميرا عن تصويره، لكن تستمر الأجيال في استعادة صوره وأدواره وكلماته.

عبد القادر مطاع أعطى للفن المغربي الكثير، وربما لم يمنحه الفن في آخر الطريق كل ما كان يستحقه من احتضان ووفاء. لكن هناك شيئاً لا يستطيع المرض ولا الزمن ولا الموت أن ينتزعه منه: محبة الناس.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد