عصام سبادي
في الوقت الذي يرفع فيه بعض مهنيي سيارات الأجرة شعار مواجهة النقل عبر التطبيقات والدفاع عن مستقبل المهنة، يبدو أن معركة أخرى أكثر حساسية تجري داخل سيارات الأجرة نفسها: معركة الاحتفاظ بالزبون. فالمواطن الذي يصعد إلى سيارة أجرة في مراكش خلال موجة حرارة خانقة لا يعنيه كثيراً من يربح معركة التطبيقات ومن يخسرها؛ ما يعنيه هو أن يجد وسيلة نقل توفر له الحد الأدنى من الراحة والاحترام مقابل المبلغ الذي يؤديه. وعندما يجد نفسه داخل سيارة شديدة الحرارة لأن المكيف لا يعمل أو لا يتم تشغيله، بحجة الاقتصاد في استهلاك الوقود، يصبح السؤال مشروعاً ومحرجاً في الوقت نفسه: هل تريد سيارات الأجرة حماية زبنائها من التطبيقات، أم تريد فقط منعهم من الوصول إليها؟ لأن الزبون الذي لا يجد في الخدمة التقليدية ما يجعله متمسكاً بها، لن يحتاج إلى حملة دعائية كي يبحث عن بديل؛ ستدفعه تجربته اليومية إلى ذلك تلقائياً.
هنا تحديداً يجب أن يتجاوز النقاش منطق تحميل السائق وحده المسؤولية. فالمهني يواجه بدوره كلفة الوقود والصيانة والاستهلاك، ويعمل في ظروف اقتصادية ليست سهلة، وبالتالي فإن تشغيل المكيف بشكل مستمر ليس تفصيلاً بلا كلفة. لكن هذه الحقيقة لا تمنح القطاع شيكاً على بياض لتحميل الزبون تبعات مشاكله التشغيلية. فالعلاقة بين الطرفين بسيطة في جوهرها: السائق يقدم خدمة، والزبون يؤدي مقابلها. ومن حق المهني أن يبحث عن اقتصاد معقول في التشغيل، كما من حق المرتفق أن ينتظر خدمة مناسبة لظروف المدينة، خصوصاً عندما تكون الحرارة نفسها عاملاً يجعل التنقل داخل سيارة غير مكيفة أمراً بالغ الصعوبة. لذلك فإن الحل لا يمكن أن يكون في إطفاء المكيف فقط، ولا في مطالبة السائق بتحمل الكلفة وحده، وإنما في فتح نقاش حقيقي حول الأسطول، والصيانة، واستهلاك الوقود، والتسعيرة، ومعايير جودة الخدمة.
أما المفارقة الأكبر فتظهر عندما تتحول كل النقاشات إلى كيفية محاربة وسائل النقل عبر التطبيقات، بينما لا يحظى السؤال المقابل بالاهتمام نفسه: كيف يمكن جعل سيارة الأجرة أكثر جاذبية؟ فالزبون لا يقارن فقط السعر، بل يقارن التجربة كاملة؛ من سهولة الحصول على السيارة إلى النظافة والراحة وطريقة التعامل وظروف الرحلة. وبعيداً عن الجدل القانوني والتنظيمي حول التطبيقات، فإن وجودها فرض واقعاً جديداً في سوق النقل، والرد الأكثر ذكاءً على أي منافسة لا يكون دائماً بمحاولة إقصائها، وإنما بتحسين الخدمة التي تقدمها سيارات الأجرة. فإذا كان القطاع يريد الحفاظ على زبنائه، فلماذا لا تتحول هذه المواجهة إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي؟ لماذا لا تصبح جودة الخدمة هي السلاح الأول في هذه المعركة؟ ولماذا لا يكون المكيف، في مدينة مثل مراكش، جزءاً من نقاش أوسع حول الحد الأدنى من شروط الراحة وليس مجرد عبء إضافي على حساب الوقود؟
المطلوب في النهاية ليس إدانة السائقين ولا تبرئة التطبيقات، ولا تبسيط أزمة قطاع كامل في جهاز تبريد. المطلوب هو الاعتراف بأن الزبون أصبح رقماً صعباً في معادلة النقل، ولم يعد مستعداً دائماً لقبول ما كان يقبله سابقاً. ومن يريد الدفاع عن سيارة الأجرة، عليه أن يدافع أولاً عن جودة الخدمة التي تقدمها؛ ومن يريد مواجهة التطبيقات، عليه أن يسأل قبل كل شيء لماذا استطاعت أن تجد لنفسها مكاناً في اختيارات بعض الزبناء. أما الجهات المسؤولة عن القطاع، فعليها أن تتدخل بمنطق الإصلاح لا بمنطق تدبير الأزمة فقط، عبر معالجة كلفة التشغيل وتجديد الأسطول وتأهيل المهنة ووضع تصور واضح لجودة الخدمة. فالمعركة التي تستحق أن يخوضها قطاع سيارات الأجرة ليست فقط مع منافس موجود على الهاتف، وإنما مع كل تجربة سيئة تجعل الزبون يقول، وهو يغادر السيارة: المرة المقبلة سأبحث عن وسيلة أخرى.
