عصام سبادي
ليس صدفة أن يتكرر حضور اليتيم في القرآن كلما تعلق الأمر بالظلم والمال والرحمة والعدالة. فالإسلام لم ينظر إلى الطفل الذي فقد أباه أو أمه باعتباره مجرد حالة تستحق العطف، بل وضعه في قلب منظومة دقيقة من الحماية؛ فلا يُقهر، ولا تُهدر كرامته، ولا يُستغل ماله، ولا تتحول هشاشته إلى فرصة لمن يملك القوة. وفي ذلك تكمن إحدى أكثر الصور دلالة في التشريع الإسلامي: أن يتحول ضعف الإنسان إلى سبب إضافي لحمايته، لا إلى مبرر للاستقواء عليه.
فاليتيم، في التصور الإسلامي، ليس مشروع صدقة وإنما صاحب حق. ولهذا لم يكتفِ القرآن بالدعوة إلى الإحسان إليه، بل شدد على صيانة ماله، وحذر من استغلاله أو الاقتراب منه بغير ما يحقق مصلحته، كما جعل قهر اليتيم وإهماله علامة على خلل عميق في أخلاق الإنسان وعلاقته بالدين. هذه الرؤية تنقل القضية من منطق الشفقة إلى منطق المسؤولية؛ فالمال الذي يتركه الأب لطفله ليس غنيمة للوصي، والطفل الذي فقد أسرته ليس شخصًا بلا سند قانوني أو أخلاقي، بل أمانة تتطلب من المجتمع حماية حقوقه حتى يبلغ مرحلة يستطيع فيها تدبير شؤونه بنفسه.
واللافت أن العالم الحديث بنى، بعد قرون، منظومات متخصصة لحماية الطفل: مؤسسات للرعاية، وقوانين لتنظيم أموال القاصرين، وآليات للوصاية، وبرامج للدعم الاجتماعي، وتشريعات لمواجهة الاستغلال والإهمال. وهي تطورات أساسية لا يمكن التقليل من قيمتها، لكنها تجعل المبادئ التي قررها الإسلام بشأن اليتيم أكثر قابلية للتأمل اليوم؛ فالفكرة الأساسية كانت حاضرة منذ وقت مبكر: حماية الطفل لا تعني توفير الطعام والمأوى فقط، وإنما صيانة كرامته وماله ومستقبله، ومنع من يتولى أمره من تحويل ضعفه إلى مصدر منفعة شخصية.
ومن هنا جاءت المكانة الكبيرة التي منحها الإسلام لكفالة اليتيم، إذ رفع النبي ﷺ منزلة من يتولى رعايته وأشار إلى قربه منه في الجنة. والمعنى يتجاوز التبرع بالمال إلى بناء علاقة مسؤولية ورعاية واحتضان. فالمطلوب ليس أن نتذكر اليتيم عندما تأتي حملات التضامن، ثم يعود إلى الهامش بعد انتهائها، وإنما أن يجد في المجتمع من يحمي حقه في التعليم والأمان والكرامة والفرصة. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يختبر صدق هذه المنظومة كلها: هل نرعى اليتيم لأننا نشفق عليه، أم لأن الإسلام جعله صاحب حق لا يجوز لأحد أن ينتقص منه؟ والفرق بين الأمرين كبير؛ فالشفقة قد تكون عابرة، أما الحق فلا يسقط.
